التصنيفات
مقالات

متلازمة الاستعمار والاستحمار…!

فكما يوجد في الطب متلازمات مثل : متلازمة داون، هناك متلازمات وجدتها في علم الاجتماع السياسي مثل: متلازمة الاستعمار والاستحمار!

الناظر في أحوال البشر في شتى أصقاعهم وبقاعهم في هذا الزمان! ربما يستغرب الحال والمآل!

وهذا صحيح لمن لم يطلع مسبقًا على التاريخ القديم والحديث! ليفهم الواقع ثم يستطيع استشراف المستقبل لهذه الأمم. 

هناك حقائق لا بد من تقريرها لنفهم ما يجري! وهي حقائق بحكم وقوعها على الأرض! وتؤكدها الأفعال والأحوال. 

من هذه الحقائق أن بعضاً من التقسيم المكاني، وسرقة أراضي وثروات كثير من الشعوب قد وقعت في أعقاب الحروب، ولا سيما العالمية  منها، وأخص منها الأولى ! وهذه العملية تحتاج إلى إنتاج بعض الشخصيات المحلية لتكون عوناً للمستعمر المتغلب ممثلًا ببريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وروسيا وأخيراً وليس آخراً أمريكا! 

وكان الهدف من ذلكم التقسيم تمزيق الوحدة الجغرافية لتلكم الشعوب التي ابتليت بالاستعمار، ثم اللعب فيها واستنزاف ثرواتها بل توظيفها في تدمير ما قد يبقى من حاضرها ومستقبلها.… وهذا ما كان بفعل تغلب وكلاء الاستعمار، ومن ورائهم الاستعمار نفسه بكل الدعم وبكل ما يحمله من حقد ومكر لهذه الأمم؛ ولعل من أعظم تجليات الاستعمار الحديث هو تنفيذ المشروع الصهيوني الكبير والتي كانت ثمرته قيام (دولة إسرائيل) كما سموها! وهي دولة الصهيونية العالمية في حقيقتها. وقد قامت بفعل ما لدى اليهود من تأثير كبير في حكومات الدول الصليبية الكبرى كبريطانيا وفرنسا وروسيا ومن بعدهما أمريكا. ولا يخفى على المطلع الحاذق إنما كان قيام ذلك الكيان من منطلق ديني عقيدي توراتي ظهر أثره بعد ما فعله اليهود في عقائد النصارى ولا سيما البروتستانت منهم! فصاروا ألعوبةً بأيديهم يسخرونهم بكل مقدراتهم لخدمة أهدافهم الخبيثة! فكان ما صار يسمى (المسيحية الصهيونية)!

ما نراه من تقسيمات وتسميات وبيارق في غالبها هي صناعة استعمارية بامتياز! وهي في غالبها كيانات فاشلة هزيلة لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً! إلا ما شاء الله!

ومن سنن الاستعمار أنه يقوم بتوظيف وكلاء له في كل بقعة يحتلها ليقوموا بالوظيفة التي رسمت لكل منهم في موقعه! 

والمنعم النظر في كل مخرجات الاستعمار ونواتجه ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية لا يجد صعوبةً في فهم أن محصلة هذا المشروع الاستعماري في النهاية هو خدمة الكيان الصهيوني ودولته وحمايتها وفقاً لهذا السياج الاستعماري الأمني الوظيفي الذي أنتجته أيدي الاستعمار المتوحشة الآثمة!

وأفعال دول الاستعمار تدل على أنها تسلك مسلك الاستحمار لسائر شعوب الأرض! 

فهم أوجدوا هيئات ومنظمات سموها دولية ووضعوا قوانينها على قياس مصالحهم، ثم هم أول من يخالفها ويضرب بها عرض الحائط إذا عارضت تلك المصالح، أو مست الكيان اليهودي الذي صنعوه!

فلا يحتاج العاقل إلى مزيد علم للحكم على أن هذه القوانين والمنظمات ما هي إلا ضرب من استغفال الناس واستحمارهم!

والشيء نفسه ينطبق على وكلاء الاستعمار! فما هم بنظر المستعمر سوى (ورق تواليت) سرعان ما يتم رميه في سلة النفايات بعد انتهاء الحاجة إليه! واستبدال ورق جديد به، وهكذا …

المسكين الذي أضحى في هذه (الكانتونات)! أصبح يعيش بين ما خلفه الاستعمار وبين سياسات الاستحمار التي تستهدفه وكأنه كائن بلا عقل! حتى في المستوى الأدنى منه!

الكارثة أن يقوم أحدهم ممن يسمون أنفسهم بالنُّخَب المثقفة بتحليل الأمور أو الأحداث أياً كانت في خارج نطاق الإطار الذي أنتجه الاستعمار ! 

وهو بهذا الفعل يكون قد وقع في فخ الاستحمار! فيصبح يحلل ويفسر الأمور من منطلقات فكرية حالية، متجاهلاً أو متغافلاً عن الإطار الذي أشرت إليه سابقاً! وهو لا يتعلق بالعقل أو المنطق بسبب! فحال الأمة في هذه السقطة التاريخية لا منطق فيه ولا عقل! بل هو سقوط حر مجنون!

وكل تفسير خارج هذا الواقع الاستعماري لا شك أنه ضرب من الاستحمار! وممارسه إما غافل أو جاهل أو غبي أو مغرض! والإغراض أمر مألوف في هذا النطاق كي تستمر الأمور وتتماشى وتتماهى مع ما رسمه الاستعمار!

ولعل أهم صور الاستحمار الناشئة عن الاستعمار، توظيف بعض الأفكار والجماعات والأفراد بالترغيب والترهيب ليكونوا جوقةً لأداء وظيفة ما!

فتراهم يزرعون قداسة مخرجات الاستعمار ومنتجاته، وهذا نوع أصيل من الاستحمار!

فمن ظن أن هناك سبيلًا لإصلاح ما قام على الفساد والإفساد الذي أسسه ورسخه الاستعمار فهو ضرب فاخر من الاستحمار…

ومن جعل المنبر أداةً لتسويق مخرجات الاستعمار فهو قمة الاستحمار!

ومن اعتقد أن نواتج الاستعمار ستقوم فيها نهضة علمية حقيقية، وتطور وازدهار فقد بلغ الغاية في الاستحمار!

وكل من كرس حياته وزهرة شبابه فضيع دينه لإصلاح دنيا غيره فقد تُوِّج بتاج الاستغفال، وتقلد وسام الاستحمار، وباء بسوء الدار!

وهكذا دواليك… صرنا سكارى حيارى كما يراد لنا أن نكون! نعيش بين ما أنتجه لنا الاستعمار من خراب ودمار، وبين ما عززه ومكنه ورسخه ووظفه ووكله من خداع ومكر وصل بنا مرحلة الاستحمار…

ومازالت الكرة في هذه الكرة الأرضية تدور من استحمار لاستحمار  حتى يأذن الله بتغير الحال!

والله غالب على أمره.