التصنيفات
فوائد مقالات

قواعد نورانية في المذاهب الفقهية 

طلابي يعرفون ما سأقوله في هذه المقالة! وذلك لكثرة ما كنت أردده عليهم في هذا الموضوع، وأكتبه هنا كي يكون ذكرى لهم، وتذكرة لغيرهم. وهذا لأعزز ما كنا نتذاكره من التحذير من بعض مصطلحات لأهل العلم قد يفهمها عوام الناس وسوادهم على غير الجادة فيقعون في مزالق أصولية، ومغالطات عقلية، وكوارث فقهية، ومشكلات دينية، ولذلك كان لزاماً علي أن أوضح بعض تلكم المصطلحات التي يطلقها أهل العلم كي نتجنب الوقوع في هاتيك المشكلات. 

من ذلك قول أهل العلم عن حديث ما بأنه : (صحيح الإسناد) هل يلزم منه صحة الحديث؟ أي: متناً ونصاً؟! 

يقول العلامة اللكنوي:”قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد دون قولهم: هذا حديث صحيح أو حسن لأنه قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصح الحديث لكونه شاذاً أو معللاً”. (الرفع والتكميل ص187-188). 

أهل العلم بالحديث يعلمون ذلك وحذروا منه، وأشاروا إليه، ولكن المقلدة الذين ابتلينا بهم يصرون على أن هذا المصطلح يعني صحة الحديث ويتوهمون ويوهمون الناس بذلك، وترى الذين في منهجهم خلل يسارعون بنشر هذه الأحاديث في بطاقات زعموا أنها دعوية، قبل التحقق والتوثق من خلوها من العلل!ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً!

وهذه المسألة صدرنا بها هذه المقالة لتكون مفتاحاً لما بعدها. 

وهي مسألة يشيعها بعضهم بلا وعي بأصول الدين وكيفية التعامل مع الأدلة والنصوص من الكتاب والسنة ولاسيما الحديث! وهي قولهم: 

الأخذ بالحديث أولى أم الأخذ بمذهب الشافعي وأبي حنيفة؟ 

ولا أرى أجمل من رد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء 16/ 405 على من يقول ( الأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة ) قال: 

    “هذا جيد . لكن بشرط أن يكون قد  قال بذلك الحديث إمام من نظراء هذين الإمامين مثل مالك أو سفيان أو الأوزاعي، وبأن يكون الحديث ثابتًا سالمًا من علة . وبأن لا يكون حجة أبي حنيفة والشافعي حديثًا صحيحًا معارِضًا للآخَر .

  أما مَن أخذ بحديث صحيح وقد تنكبه سائر أئمة الاجتهاد فلا، كخبر :”فإن شرب في الرابعة فاقتلوه”، وكحديث:”لعن الله السارق، يسرق البيضة، فتقطع يده”(سير أعلام النبلاء 16/ 405- 406).

جدير بالذكر أن الأحاديث التي مثّل لها الذهبي رحمه الله صحيحة كما ذكر نفسه، ولكن العمل على خلافها! لعِلل مبسوطة في كتب أهل العلم بالفقه والحديث يمكن مراجعتها ومعرفة أمثلة أخرى على ما قلناه، تركناها طلباً للاختصار، واستغناءً بالإشارة عن العبارة . 

ومثل ذلك ما قاله العلّامةُ الشّيخُ مُحَمَّد علّيش مفتي المالكيّة : 

“وأَمْرُ عَوَامِّ النَّاسِ باتِّباعِ الكتابِ والسُّنَّةِ كلمةُ حَقٍّ أُريدَ بها باطلٌ ، إذ مُرادُهُ تَركُ المذاهبِ المُتَّبَعةِ وأَخْذُ الأحكامِ مِنَ الكتابِ والسُّنَّة بِلَا واسطةٍ ، وهَذا ضلالٌ ، والأَمْرُ به أدلُّ دليلٍ على الجهلِ إذْ مِنَ المَعلومِ لكل أَحَدٍ أنَّ النُّصوصَ مِنها المنسوخُ ومنها المَردودُ لِطَعْنٍ في رُوَاتِهِ ، ومنها ( أي : النّصوص ) ما عَارَضَه أقْوَى منه فتُرِك ، ومنها المُطلَقُ في مَحَلٍّ وقَدْ قُيِّدَ في مَحَلٍّ آخَرَ ، ومنها المَصْروفُ عَن ظاهرِه لأَمْرٍ اقتضى ذلك ومنها و منها… ولا يُحَـقِّـقُ ذلكَ إلَّا الأئمةُ المجتهدونَ ، وأَعظمُ ما حُرِّرَ مِنَ مَذاهبِ المُجتهدينَ مذاهبُ الأئمةِ الأربعةِ المُتَّبَعينَ، لِكثرةِ المُحَقِّقِين فيها مَع سَعة الاِطِّلاعِ وطُولِ البَاعِ …”(فتحُ العَليِّ المَالِك 109/1). 

والله يهدي من يشاء.