أذكر هنا بعض الأحاديث النبوية التي كنتُ أُسأل عنها أو تظهر لي في وسائل التواصل الاجتماعي فأخرجها تخريج عزوٍ، وحكمٍ عليها من حيث الصحة أو الضعف ، أو أذكر مَن صححها أو ضعفها من أهل العلم الموثوقين في هذا الشأن، والعلم عند الله تعالى:
1- عن عبدالله بن عمر :”جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، كم نَعْفو عن الخادِمِ؟ فصَمَتَ، ثُمَّ أَعادَ عليه الكَلامَ، فصَمَتَ، فلمَّا كانَ في الثَّالِثةِ قالَ: اعْفوا عنه في كلِّ يَوْمٍ سَبْعينَ مَرَّةً”.
رواه أبوداوود 5164، والترمذي1949، وغيرهما.
قلت: الحديث لا يصح! وفيه نظر كما قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه التاريخ الكبير 7/ 4.
خلافاً لمن صححه كالألباني في السلسلة الصحيحة 488، وشعيب الأرناؤوط في تحقيقه سنن أبي داوود، وغيرهما من المعاصرين.
ولو صح الحديث فليس المراد بالسبعين العدد بذاته! بل هو من أسلوب الكلام العربي ويراد به المبالغة في العفو.
2- عن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول :
“اقْرَؤوا القُرْآنَ، ولا تَغْلُوا فيه، ولا تَجْفُوا عَنْهُ، ولا تأكُلُوا به، ولا تستكثروا به.
وقال : قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ التَّجَارِ هُمُ الفُجَّارُ»، قيل : يا رسول الله، أوليس قد أحل الله البيع؟ قال: «بَلَى ولكِنَّهم يُحَدِّثونَ فَيَكْذِبُون، ويَحْلِفُون ويَأْثَمُونَ .
قال : وقال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الفُسَّاقَ هُمْ أَهْلُ النّارِ، قيل: يا رسول الله ومَن الفُسّاق؟ قال: «النِّساء»! قال رجل: يا رسول الله: أوَلَسْنَ أمهاتنا وأخواتنا وأزواجَنا؟ قال: بلى، ولكنَّهن إذا أُعْطِينَ لَمْ يَشْكُرْنَ، وإذا ابْتُلِينَ لَمْ يَصْبِرْنَ”.
رواه أحمد برقم 15529، وغيره بإسناد صحيح .
قال ابن أبي حاتم في «العلل» ٦٢/٢-٦٣ : سألت أبي عن حديث رواه وهيب، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي راشد الحبراني، عن عبد الرحمن بن شبل عن النبي ﷺ قال: «اقرؤوا القرآن»؟ قال أبي : رواه بعضهم، فقال: عن يحيى، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام عن أبي راشد الحبراني، عن عبدالرحمن بن شبل، عن النبي ، كلاهما صحيح، غير أن أيوب ترك من الإسناد رجلين.
وصححه أبوحاتم كما تقدم في العلل، والحاكم والذهبي 4/ 604، والهيثمي في المجمع 4/295، والألباني في الصحيحة 3058، وشعيب الأرناؤوط في مسند أحمد كما تقدم برقمه، وغيرهم.
3- عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ:”احضُروا الجُمعةَ، وادنوا مِن الإمامِ؛ فإنَّ الرجُلَ لَيَتخلَّفُ عن الجُمعةِ حتى إنَّه لَيتخلَّفُ عن الجنَّةِ، وإنَّه لَمِن أهلِها”.حديث منكر.
أخرجه أحمد (20112) واللفظ له، وأبو داود (1108)، والطبراني في ((الأوسط)) (4371) بنحوه.
قلت: هذا الحديث روي بإسنادين ومتنين مختلفين، أحدها منكر، والآخر صحيح، أما المنكر فالذي مضى، مداره على الحكم بن عبد الملك وهو ضعيف؛ إضافةً إلى أنه خالف في متنه الثقات ومن ثم كانت نكارته!
أما الحديث الآخر الصحيح، فهو :
4- عن سمرة بن جندب قال رسول الله ﷺ:”احضُروا الذِّكرَ، وادْنوا مِن الإمامِ؛ فإنَّ الرجُلَ لا يزالُ يَتباعدُ حتى يُؤخَّرَ في الجنَّةِ وإنْ دخَلَها”.
أخرجه أبو داود (1108) واللفظ له، وأحمد (20112)، والطبراني في ((الأوسط)) (4371) بنحوه.
ولا ذكر فيه للجمعة! بل الحث فيه على حضور مجالس العلم والحرص على لزومها، والله أعلم.
وعجبت من صنيع الشيخ الألباني رحمه الله كيف أورد الحديث المنكر في صحيح الجامع بلفظين متقاربين برقم 200 و 201 مصححاً إياهما؟! مع أنه في السلسلة الصحيحة 365، أكد نكارة الحديث الأول الذي أشرت إليه وصحح الآخر كما يقتضيه علم الحديث.
5-عن أبي ذر، قال رسول اللّه “يا أبا ذر أترى أنَّ كثرة المال هو الغِنى؟ إنما الغِنى غنى القلب، والفقرُ فقرُ القلب، مَن كان الغِنى في قلبِه، فلا يَضرهُ ما لقِي من الدنيا، ومَن كان الفقرُ في قلبِه، فلا يُغنيهِ ما أكْثِرَ له في الدَنيا، وإنما يَضُرُّ نفْسَهُ شُحُها “رواه الطبراني في الكبير 1643، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 237: فيه من لم أعرفهم.
قلتُ: روي هذا الحديث بسياقين مختلفين، وبعد البحث والتتبع وجدت أن الشطر الأول منه صحيح الإسناد وهو قوله:(يا أبا ذر، أترى أنَّ كثرة المال هو الغِنى؟ إنما الغِنى غنى القلب، والفقرُ فقرُ القلب)، ومن قوله:(من كان الغنى في قلبه …إلى آخره) لم يصح! فإسناده فيه مجاهيل ومتروكون، مع أن معناه صحيح!
أما السياق الصحيح فقد رواه ابن حبان 685، والنسائي في السنن الكبرى 11785، والحاكم في المستدرك 8142:
عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟» قلت: نعم يا رسول الله. قال: «فتَرى قلة المال هو الفقر؟» قلت: نعم يا رسول الله، قال:«إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب». ثم سألني عن رجل من قريش، فقال: «هل تعرف فلانا؟» قلت: نعم يا رسول الله، قال: «فكيف تراه أو تُراه؟» قلت: إذا سأل أُعطي، وإذا حضر،أُدخل. ثم سألني عن رجل من أهل الصُّفَّة فقال:«هل تعرف فلانا؟» قلت: لا والله ما أعرفه يا رسول الله. قال: فما زال يحَلِّيهِ ويَنْعَتُهُ حتى عرفته، فقلت: قد عرفته يا رسول الله، قال: «فكيف تراه أو تُراه؟» قلت: رجل مسكين من أهل الصُّفَّة.فقال: «هو خير من طلائع الأرض من الآخَر». قلت:يا رسول الله، أفلا يُعطى من بعض ما يُعطى الآخَر؟ فقال: «إذا أعطي خيراً فهو أهله، وإن صرف عنه فقد أُعطي حسنة»
وخلط بعضهم فجعل السياقين واحداً فصححهما، كما في صحيح الجامع (7816)، وصحيح الترغيب 3203.
