التصنيفات
لغويات مقالات

الفصحى والفصيحة في ضوء اللغة ولهجاتها

يحتار بعضهم عندما يروم وصف لغتنا العربية الحالية، أيصفها باللغة العربية الفصحى أم الفصيحة ؟!

ولكي نفهم الوصف الحقيق باللغة لا بد من التذكير ببعض الأمور التي كنت ذكرتُها في مقالة سابقة، منها:

 أن تعدد اللهجات في لغة ما ظاهرة صحية تنتظم أية لغة من لغات البشر. 

ومنها أن اللغة العربية تكونت من لهجات عدة قديمة فصيحة.  والكلام هنا ينحصر في عصر السليقة لا بعد فسادها. 

وقد عبر غالب اللغويين القدماء وبعض المتأخرين عن اللهجات باللغات؛ وهذا مقبول قبل استقرار العلوم، وتمايز المصطلحات. 

فكانت هناك لهجة قريش وتميم وهذيل وكنانة وأسد وطيء وهكذا…

تلكم اللهجات كلها فصيحة. 

وسأختصر الكلام في ثنيات هذه المقالة فيما يتعلق بالتاريخ اللغوي العربي؛ طلباً للتركيز على المعلومة الأساسية التي يتمحور عليها الكلام. 

فعندما بُعث الرسول ﷺ بلسان قومه (قريش) كانت لهجتها هي السائدة في جزيرة العرب والمعلقات شاهدة على ذلك. 

وأثناء نزول القرآن الكريم أقر رسول الله ﷺ كل قبيلة أن تقرأه بلهجتها، لأنهم كانوا على سليقتهم ولم تفسد ملكة ألسنتهم، وكان يعسر عليهم أن يتحولوا إلى لسان غير الذين اعتادوا عليه. 

وهذا إعمال لقوله تعالى:﴿وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]. 

وقوله ﷺ :”إنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ منه.”(رواه البخاري 7550). 

فالغاية من تلك الرخصة هي التيسير والتسهيل على الناس آنذاك. 

ولما كثر الناس واختلطت الألسن وفسدت السليقة كان لابد من حمل الناس على حرف واحد، يوافق لهجة الرسول ﷺ وقومه وهي لهجة قريش. فكان ما كان من أمر عثمان رضي الله عنه في توحيد الأمة على المصحف العثماني الذي صار للناس إماماً إلى يومنا هذا. 

فكان في هذا المصحف ما وافق لهجة قريش وما يندرج معها من سائر لهجات العرب. 

فإذن كان لدينا لهجات فصيحة ولهجة فصحى هي لهجة قريش، ومنها تكونت ما نسميه اللغة العربية التي نكتب بها ونعلمها في المدارس والجامعات، أي: لغة الأدب والكتابة. 

وكل ما خالفها لا نسميه لغةً فصيحة! وإنما لهجة، ونصفها بالفصيحة إن كانت من لهجات العرب القديمة، وعامية إن لم تكن كذلك. 

أما اللغة العربية ذاتها فهي اللغة التي تكونت أصالةً من اللهجة الفصحى لهجة قريش وما وافقها واندرج معها من لهجات العرب القديمة الفصيحة والتي يُقرأ بها القرآن الكريم بقراءاته المتواترة لا الشواذ، فتنبه!

فتحصل لدينا لهجات عربية قديمة فصيحة، وفُصحاها لهجة قريش التي نزل بها القرآن، وهي لهجة النبي ﷺ وقومه. 

وتحصل لدينا لغة أدبية جامعة مشتركة هي لغة الأدب والكتابة، عمودها الفقري لهجة قريش، وهذه اللغة العربية هي التي نسميها اللغة العربية الفصيحة، ولا ينبغي لمن عرف اللغة ولهجاتها أن يصفها بغير هذا الوصف كأن يقول: اللغة الفصحى! فهذا مخالف للحقيقة والمنهج العلمي وواقع الحال. فليس هناك لغة تمثل العربية سواها كي نستعمل اسم التفضيل (فصحى)! بل هي لغة واحدة فصيحة، استلهمت وخرجت من مشكاة ما تواتر من القراءات القرآنية…. موافقََا لهجة قريش. 

أما اللهجات العربية القديمة ففيها الفصيح والأفصح، والشهير والأشهر والكثير والأكثر، في حين أن لغة الكتابة والأدب المشتركة التي تجمع كل الناطقين بالعربية والتي يتعلمونها في المدارس والمعاهد والجامعات هي لغة فصيحة واحدة لا يوجد سواها، وهذا ما يشهد له الواقع. 

وهي اللغة العربية المستوحاة من القرآن الكريم الذي نزل بلهجة قريش الفصحى والعليا بين اللهجات، فلا كشكشة ولا تلتلة ولا عنعنة ولا شِنْشِنَة ولا فحفحة ولا طُمطمانية فيها ولا استنطاء*. 

وهذه الظواهر اللهجية لبعض القبائل العربية القديمة صحيحة فصيحة لكنها ليست الفصحى، فالفصحى من اللهجات ما وافقت اللغة العربية الفصيحة وهي لهجة قريش وما وافقها من اللهجات، وحسب. 

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

*الكشكشة

تُنسب إلى ربيعة ومضر ، ولهذه الظاهرة ثلاث صور:

أ. إبدال كاف خطاب المؤنث شينا، حال الوقف فقط، نحو: هذا أبوشْ، أي: أبوكِ. 

ب. زيادة شين بعد كاف خطاب المؤنث في الوقف، نحو: رأيتُكِشْ، أي: رأيتُكِ.

ج. إبدال كاف خطاب المؤنث شيناً ﻓﻲ الوقف والوصل معاً، وتكون مكسورة في الوصل، ساكنة في الوقف ، كقول مجنون ليلى:

فعيناكِ عيناها وجِيدُكِ جِيدُها

ولكنَّ عظم الساق منكِ دقيقُ

على النحو الآتي:

فعيناشِ عيناها وجيدشِ جيدها 

ولكن عظم الساق منشِ دقيقُ

التلتلة

كسر حرف المضارعة، وتنسب إلى بهراء: تِعلم، تِكتب. 

العنعنة

قلب الهمزة المفتوحة ﻓﻲ (ﺃَﻥْ/ﺃَﻥَّ ) عيناً، وتنسب إلى تميم وقيس وأسد. 

الشِّنْشِنَة: 

ﺟﻌﻝ ﻛﺎﻑ ﺍﻟخطاب شيناً مطلقاً في الوصل والوقف. وتنسب إلى أهل اليمن. كقولهم في التلبية:(لبيشَ اللهم لبيش). 

والفحفحة

جعل الحاء عيناً في كلمة (حتى)، فتكون (عتى)، ومنه قراءة عبدالله بن مسعود من الشواذ:(عتى حين)، وتُنسب إلى هذيل. 

الطُّمطُمانية

إبدال لام التعريف ميماً، أي نطق أداة التعريف (أم)بدلاً من نطقها (ال).

وتنسب إلى حمير إحدى قبائل اليمن.

مثاله ما يورده بعضهم من الحديث: “ليس من امبر امصيام في امسفر”، بإبدال (ال) بـ(أم).

وهذا حديث صحيح، لكن المحفوظ الذي يرويه الثقات فيه هو بلهجة قريش (ليس من البر الصيام في السفر). 

قال ابن حجر في تلخيص الحبير 2/ 205 معلقاً على رواية الحديث بلهجة الطمطمانية:”رواه أحمد من حديث كعب بن عاصم الأشعري بلفظ: (ليس من امبر امصيام في امسفر) وهذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميماً، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ خاطب بها هذا الأشعري (راوي الحديث) كذلك لأنها لغته، ويحتمل أن يكون الأشعري هذا نطق بها على ما ألف من لغته، فحملها عنه الراوي عنه، وأداها باللفظ الذي سمعها به، وهذا الثاني أوجه عندي. والله أعلم “. 

الاستنطاء

قلب العين الساكنة قبل الطاء نونًا.

فيقال في أعطى: أنطى.

وتنسب إلى هذيل ، قيس ، سعد بن بكر ، الأزد و الأنصار.

ومن شواهد الظاهرة في القراءة الشاذة: ” إنا أنطيناك الكوثر“. 

(يُنظر: المزهر للسيوطي، وفصول في فقه اللغة د. رمضان عبدالتواب وغيرهما من كتب فقه اللغة والمعجمات).