بكل موضوعية وبدون استدعاء التاريخ؛ لأنه معروف!
توصيف (أردني من أصل فلسطيني) توصيف حالي واقعي قانوني.
كلنا نكره (سايكس بيكو) وما جلبته الخ.
لكن هل هذا يلغي الواقع العربي اليوم؟! الجواب: لا!
شئنا أم أبينا هناك دول عربية مقسمة معترف بها دوليًا على أساس استعماري حديث.
نعم. كانت كلها دولة واحدة تاريخياً، وهذا هو الصحيح، لكن إلى أن ترجع الأمور إلى نصابها وتتوحد هذه الدول تحت راية واحدة، لا يمكن من وضع الرؤوس في الرمال ونكران الواقع مهما كان.
ارفض الواقع أو تَقَبَّلْه كما هو فأنت تعيش فيه؛ لأنه بكل بساطة مفروض عليك وعلى غيرك. فلا تضيع حاضرك بالعيش في قمقم الماضي. وتذكر أن الدهر دُوَل، ومئة سنة ليست بشيء في حركة التاريخ!
ثنائية الهوية واقع مفروض على كثير من الناس في هذا العالم وليس على الفلسطيني وحده!
كم هناك من العرب الذين يعيشون في أمريكا وتجنسوا بجنسيتها، ونقول عنهم مثلاّ: أمريكيون من أصل فلسطيني أو يمني أو لبناني أو سعودي الخ. ما المشكلة؟! هل هذا يلغي هويتهم الأصلية؟ لا!
لماذا نرتضي ذلك في كل مكان إلا في الأردن؟!
ولماذا لا يثار ذلك في الأردنيين من أصول أخرى كالسوري والعراقي والأرمني والقوقازي، ولا يثار إلا في الأردنيين من ذوي الأصل الفلسطيني؟!
حتماً…هناك شيء ما وراء الأكمة؟!
نعم، هناك من يهدف إلى ذلك، لأن هذه المجموعة تشكل غالبية وثقلاً في المجتمع، وإذا أراد مريد إثارة فتنة ما… لغرض ما… فليبدأ من هذه الفئة العظمى.
إذن…ليس هناك من داع ٍللحساسية غير المبررة من عبارة ( أردني من أصل فلسطيني)…هذا هو الواقع.
أما قضية الخوف من ذوبان إحدى الهويتين في الأخرى! كما يتذرع بعضهم بذلك، فهذا يرجع إلى الشخصية ذاتها، وهذا منطبق على ثنائية الهوية في كل مكان، وليس في الأردن فحسب.
وبالنسبة للأردني من أصل فلسطيني بالذات، لا خوف من ذوبان أي الهويتين في الأخرى من باب أولى؛ بسبب عمق التداخل بينهما أصلاً! فمعظم العشائر في الأردن مثلاً أصولها فلسطينية من جهة، وهذا جلي لمن تصفح معجم العشائر الأردنية لرئيس الوزراء الأردني الأسبق عبدالرؤوف الروابدة، ومن جهة أخرى فنسبة التصاهر بين هذه العشائر مع الأردنيين من أصل فلسطيني ممن استقروا في الأردن بعد سنة 1948م وسنة 1967م عالية جداً.
إذن أين تكمن المشكلة؟
المشكلة لدينا في العنصريين والجهلة والمغرضين من الجهتين، والذين يعملون لإثارة الفتنة وتكريس الكراهية والعنصرية ممن ينكرون هذا الواقع، من حيث يعلمون أو لا يعلمون. ربما لأن بعضهم يسترزق من ذلك. كما سمعت في مقطع مهم في هذه القضية للسيد حسين هزاع المجالي مدير الأمن العام الأردني الأسبق، وأتفق معه تماماً. فهذه العينات العنصرية من الجهلة أو من المغرضين يمثلون معاول هدم تخلخل البنية الاجتماعية والأمنية لمجتمع آمن مستقر في محيط متلاطم من الفتن والعنف والخوف.
فمعظم المجتمعات المتقدمة إنما قامت على أساس التنوع الثقافي والاجتماعي والعرقي، ولم يشكل ذلك تهديداً للمجتمع أو نظامه؛ بل كان ذلك سبباً في تطور المجتمع وتقدمه.
وعلى كل عاقل في هذا المجتمع أن يأخذ على يد كل من تسول له نفسه إثارة مثل هذه النزعات العنصرية التي لا أساس لها، بغض الطرف عن الانتماءات العشائرية وغيرها، فمصلحة المجتمع ونظامه وأمنه هي الأولى.
ولنضع بين أعيننا دوماً قوله تعالى:
﴿وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم وَاصبِروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرينَ﴾ [الأنفال: 46].
ولنتذكر أن الهوية البشرية الجامعة ما قاله نبينا ﷺ:” أنتم بنو آدم، وآدم من تراب”(حديث صحيح رواه أبوداوود 5116 وغيره).
