مظاهر التخلف في عالمنا العربي كثيرة، وهي لاريب توضح صورة التخلف الحضاري، والتردي العلمي الذي ترسف فيه مجتمعاتنا وياللأسف! واستقراء هذه المظاهر تم من قبلي حيث أمضيت مايقرب من العشرين سنة في مصارعة العمل الجامعي في أكثر من جامعة عربية في دول عدة، ( ولا ينبئك مثل خبير)!
ولا أدق نذير الشؤم هنا من أجل جلد الذات وتسليط الأمر على السلبيات كما يحلو لبعضهم أن يثرثر في مثل هذه المناسبات؛ ليجعل من وضع سوداوي واقعاً وردياً، وهذا لعمر الحق من أشد أنواع التزوير والتغرير التي تخدع بها المجتمعات وتمارس على الناس!
والعاقل يعلم أن الصواب هو ذكر العلل والأمراض وتشخيصها ثم وصف الدواء لهذه العلل.
ومن أشد هذه المظاهر خطورةً…
–الطريقة التي تدار بها جامعاتها!
وغالبنا يعلم أن الفشل في التعليم العالي هو فشل للمجتمع أجمع! فمخرجات التعليم الجامعي هي التي تمد المجتمع بما يحتاج إليه ليستوي على سوقه! فيمده بالطبيب والصيدلي والممرض والمعلم والموظف والمهندس الخ.
مازالت الجامعات تدار بعقلية تسلطية عنصرية جاهلية! تقوم على حب الذات والنرجسية بأبشع صورها. فتجد أحدهم يدير الجامعة على أنها مزرعته التي ورثها من والده! فيمارس وينفث في إدارته كل عقده النفسية، وآفاته العقلية كي يضمن سطوته وسلطته واستمراريته في إدارة الجامعة في تشكيل عصابة حوله من المطبلين والمنافقين الذين يضمنون له تفوقه وسيطرته عليهم!
–ثم إذا تحدثنا عن التعيين في الوظائف الأكاديمية وهناك الداهية الدهياء! فهي قائمة على الأصل الدي ذكرناه! فلا تسل عن الشفاعات السيئة، أو ما يسمى بـ(الواسطات)! القائمة على العنصريات، وكلها لها كفل من السيئات! والعياذ بالله، وهذا أس البلاء عندما يوسد الأمر إلى غير أهله، ويستبعد العلماء الأكفاء! لا لشيء إلا لأنهم لا يملكون ( واسطة) من واسطات الشر والسوء التي نخرت المجتمعات، وأثخنتها فساداً وإفساداً. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
–البحث العلمي تسكب عليه العبرات في جامعات العرب! فتجد هم أحدهم كيف يجد بحثاً ولو كان سرقةً أو يستكتب غيره، أو ينسخ ويلصق أو يخلو بحثه من الأصالة والابتكار والجدة غالباً، وذلك كله من أجل ترقية أو منصب يسعى إليه أو لقب يتغنى به! ولذلك فالبحث العلمي لا نجد منه إلا الاسم فقط.
–شهوة جمهرة من الأكاديميين في التكثر من الشهادات القائمة على الدورات –وأكثرها مدفوعة مسبقًا–وإن كانت في غير تخصصه الدقيق، أو كانت بغير قيمة تذكر! فالغاية جمع الشهادات والتكثر منها وحشدها في سير ذاتية غلبت عليها النرجسية وحب الذات وعقد النقص! وماذاك إلا لأن النية في الأصل في طلب العلم فاسدة، فمخرجاتنا كانت لكائنات تحمل شهادات ولا تحمل علماً.
–بعضهم لديه مشكلة في الدين واللغة العربية! فيعتقد أن من سمات التحرر العقلي، واللمعان الأكاديمي أن يهاجم بعض الثوابت في الدين أو العربية بحجة الحداثة والعصرنة زعموا… من غير طائل يذكر، أو فائدة سوى غاية مريضة في نفس صاحبها لعلها تكون سبباً في تهدئة عقد النقص التي ما تنفك توخزه الفينة بعد الفينة!
–التملق طريقاً للتسلق من أسوأ ما شاهدته من طائفة كبيرة من الأكاديميين! بصورة لا يمكن أنْ تتماشى مع صاحب العلم! وهذا يؤكد فساد النية في الأصل في طلب العلم، إضافةً إلى ما قلته آنفاً من أن غالبهم إلا من رحم ربي هو حامل شهادات لا حامل علم. ومثل هؤلاء أذالوا ( جعلوه ذيلاً) العالم وصوروه لمديري الجامعات وكهنتهم من العمداء ورؤساء الأقسام بأنه أداة يحركونها كيفما شاؤوا فترتبط غاياتهم المنحرفة، بغايات هؤلاء الوصولية لينالوا ترقية أو منصباً ليسوا له أهلاً! فيملؤون تلك المناصب بطفيليات لا هم لها إلا التصفيق لولي نعمتهم كما يتصورون في خيالهم الفاسد!
فقولوا لي بالله عليكم كيف يمكن أن تنهض أمة هذه حال معاهد العلم فيها وهكذا تدار! والمصيبة أن هذا الأمراض سارية بل معدية للطلبة الذين سوف ينتقلون إلى المجتمع بمثل هذه النفسيات المريضة التي لاهم لها إلا الحصول على وظيفة ثم البدء بمسلسل التملق والتسلق!
فكيف ينهض مجتمع بهذا الوصف!
والوقائع تدل على الفشل الذريع والفساد المستشري في المجتمع بفعل ما ذكرناه من مظاهر الفساد والتخلف، وهذه المظاهر وأسبابها لايمكن أن تزول إلا أن يبرم الله العظيم لهذه الأمة المنكوبة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، من العلماء فيوضعون موضعهم اللائق بهم، ويذل فيه أهل معصيته من الأدعياء والمنافقين والوصوليين الذي أتخموا الدنيا فساداً وإفساداً فتكف أيديهم عن التخريب والخراب.