ما يلبث الأستاذ الأكاديمي الجاد بعد عناء المسيرة العلمية الطويلة، ورحلته الصعبة التي فرضها الواقع الحالي من البكالوريوس إلى الماجستير ثم الدكتوراه، بكل ما فيها من ألم وتعب ومتعة وعلم وبحث، حتى تبدأ رحلة أخرى مليئة بالصدمات والصعوبات في إيجاد مكان له في بيئة عملية يمارس فيها ما تعلمه، فيضعه الله في بعضها؛ تعليماً له وترويضاً، وتحصيناً له وتزوداً على ما يقيم له معاشه! حتى يصلب عوده، وتستقر حياته، ثم تبدأ مرحلة الحقيقة! مرحلة سميتها (الاغتيال الأكاديمي)! وهي مرحلة يريه الله فيها ما ينبغي أن يراه كي يفهم الواقع، فتستيقن نفسه، وتطمئن بما يكون من أمره فيما تبقى من عمره في هذه الحياة الدنيا! فيرى العمل في الجامعة كيف يكون على كل أساس إلا الأساس العلمي؟!
ويرى كيف تعفنت الجامعة بالمزوَِّرين- بفتح الواو وكسرها- والمنافقين؟!
وتبدأ هنا الامتحانات الربانية، والفتن الدنيوية، أتنزلق قدمه، وتهوي نفسه، أم يكون من الناجين؟!
فإن زلت قدمه في هذا المستنقع فيبدأ مسلسل التنازلات والانهيارات! ولكي يستمر فيما استمرأه في هذه الحياة البائسة فلا سبيل لديه إلا تقديم آيات النفاق والتبجيل والتملق…فهذا اغتيال أكاديمي لهذه الفئة بتحويلها إلى جوقة مطبلين!
أما الذين حالفهم التوفيق، ولم يُدَنسوا في هذه الطريق، فتم اغتيالهم أكاديمياً كذلك! وذلك عندما استُبعدوا عن تعليم الأجيال! وحُرموا من الإسهام في النهضة العلمية، والتنمية الحضارية.
فالاغتيال الأكاديمي حاصل للفريقين!
فريق تم ترويضه ومسخه، وفريق تم تهميشه وسلخه!
وهكذا تمت مراسم الجنازة على الحياة الأكاديمية برمتها!
ولست مبالغاً في شيء مما وصفت!
فما عليك إلا أن تنظر في مخرجات التعليم لتعلم صدق ما ذكرت.
ولا ريب أنّ هذا (الاغتيال الأكاديمي) هو في حقيقته جريمة كاملة، واغتيال لحاضر أي أمة ومستقبلها، وحكم عليها بالموت السريري!
ثم يأتي قدر الله الجميل لأوليائه الذين نأوا بأنفسهم عن الولوغ في هذا المُنزلَق، وأَنِفوا بأرواحهم أن تُحرق في هذه الفتنة! فيدبر لهم الأمر، ويأتي إليهم باليسر بعد العسر، وتحفهم ألطافه من كل صوب، رفعةً لهم، وترفعاً بهم، وترفقاً بقلوبهم أن يكونوا قوماً بوراً.
فترى عيشهم أجمل من كل جوانبه من عيش أقرانهم ممن رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، ودميةً بيد أرباب الطوائف، وكأن الله تعالى يقول لهم هذا جزاؤكم في الدنيا أني كففت عنكم أذى العمل في أجواء التخلف، والتلوث في دركات التزلف، وكفيتكم التعب والعناء في دهاليز التكلف، وجعلتكم أطهاراً منزَّهين عن كل ما يعكر صفوكم وصفاءكم.
واتركوهم وما يعبدون من دون الله، واعتزلوهم إنهم مُغرَقون!
حجبوا الأكْفاء، فشاع الفساد في المجتمعات، وذهبت البيئات الأكاديمية جُفاءً، وأضحت الحياة الجامعية قِيعاناً لا تُمسك ماءً، ولا تُنبِت كلأً.
ثم بعد هذا كله يأتيك سائل يسأل، ومتعجِّب يتعجب: أنى لنا كل هذا التخلف؟!
وأنى لنا كل هذا الارتكاس والانتكاس بين الناس، والارتهان لكل وسواس خناس؟!
سبحانك ربي ما أعدلك!
﴿وَما ظَلَمناهُم وَلكِن كانوا هُمُ الظّالِمينَ﴾ [الزخرف: 76].
