التصنيفات
مقالات

الفيلم الأمريكي…

كلنا يعرف شغف الأمريكان بصناعة الأفلام، حتى أنهم أنشؤوا مدينة ضخمة خاصة لإنتاجها سموها (هوليود)!

إلى هنا الأمر يخصهم ولا شأن لنا به ولا بهم. 

لكن عندما يتحول ذلك الشغف إلى واقع حياة ومنهج سياسي للدولة! فهنا تكون الكارثة، فهناك أفلام تحدثوا فيها عن سياسات مستقبلية وفعلاً طبقوها كما صوروها! ولا أريد أن أتوسع في هذا الأمر كي لا نبتعد كثيراً عن أصل الموضوع!

المنطق السليم يحتم علينا تأصيل الموضوعات كي تنجلي لنا الأمور فنراها على حقيقتها بعيداً لما يروجه الإعلام بكل صوره. 

فكم مارس ذلكم الإعلام من تزوير للحقائق، وترويج للروايات التي يريد مشغِلّه أن نراها لا سواها، ولا شك أن كثيراً من الناس وقع في هذا الفخ!

المسلم البصير بدينه ينظر في الأمور بعين الكيِّس الفَطِن، لا بعقلية المتثاقف بما يرميه الإعلام الزائف. 

ومن ثَم فلا بد أن نفهم طبيعة الصراع من أصله كي نفهم الماضي والحاضر والمستقبل، وهذا يأخذنا إلى استحضار كلام الله تعالى في أحوال هذه الأمة مع أعدائها! 

فالله سبحانه الذي خلقنا وهدانا وأرسل الرسل وأنزل الكتب وضح لنا حقيقة الصراع مع كل من يعادي هذه العقيدة، وحتمية الصدام معهم. 

يقول الحق تبارك وتعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَلَن تَرضى عَنكَ اليَهودُ وَلَا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم قُل إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعتَ أَهواءَهُم بَعدَ الَّذي جاءَكَ مِنَ العِلمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصيرٍ﴾ [البقرة: 120]. 

وأخبرنا عن المشركين عامةً فقال:

﴿وَلا يَزالونَ يُقاتِلونَكُم حَتّى يَرُدّوكُم عَن دينِكُم إِنِ استَطاعوا وَمَن يَرتَدِد مِنكُم عَن دينِهِ فَيَمُت وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَت أَعمالُهُم فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدونَ﴾ [البقرة: 217]. 

وبالنظر إلى مجموع النصوص في ذلك عُلم أن المراد بهذه النصوص وغيرها المحارِبون منهم والذين رفعوا عقيرتهم لحرب المسلمين. 

وقد انبنى على هذا الأصل أصل آخر عظيم لا يقل أهمية عنه! وهو النهي عن تولي الذين كفروا من المذكورين. 

يقول سبحانه:

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذُوا اليَهودَ وَالنَّصارى أَولِياءَ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللَّهَ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمينَ﴾ [المائدة: 51].

ويقول في موضع آخر على العموم:

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرينَ أَولِياءَ مِن دونِ المُؤمِنينَ أَتُريدونَ أَن تَجعَلوا لِلَّهِ عَلَيكُم سُلطانًا مُبينًا﴾ [النساء: 144].

ومن نظر في تاريخ المسلمين منذ فجر الإسلام علم شدة عداء المشركين لهم… مروراً بالحروب الصليبية والفتن الواقعة بينهم وبين الكافرين مما يطول سرده، وليس هذا محله. 

كل ذلك مدخل لتوصيف ما يحدث في أيامنا هذه من حرب إيرانية أمريكية. أريد أن أسميها (اللعبة الأمريكية الإيرانية)!

وهي لعبة مكشوفة مفضوحة لذي عينين!

أمريكا لاتريد القضاء على إيران وأذنابها في المنطقة لأنها تخدم مصالحها حالياً . 

عندما يكون العدو مسلماً فما أسرع حلف (النيتو) بقيادة أمريكا بتفريخ حلف دولي للقضاء عليه بعنوان (مكافحة الإرهاب)!

كذلك فعلوا مع صدام! تحالف دولي أطاح به بعد أن حاصره وأضعفه. 

عشرات القرارات من الأمم المتحدة بسرعة البرق… في أول جولة حرب قُصف العراق بـ3000 آلاف طائرة مقاتلة، لم تبق محطة كهرباء ولا وقود ولا مياه ولا صرف صحي إلا ودمرته! فشلَّت العراق في الأيام الأولى للحرب. 

أما اليوم فلا يفعلون إلا التهديد الأجوف، والقيام بخطابات تهريجية بهلوانية مثيرة للسخرية والاشمئزاز! لأنهم لا يريدون مسح إيران كما فعلوا بالعراق!

وكذلك فعلوا مع الجماعات المسلمة التي كانت تقاوم في سوريا والعراق ضد إيران وأحزابها! سرعان ما كونوا تحالفاً دولياً (ضد الإرهاب)! -والإرهاب في معجمهم لا يعني سوى الإسلام-، وأنشؤوا مليشيات تتبع إيران عقيدةً وولاءً! كانت تذبح المسلمين الذين يقاومون الاحتلال الأمريكي في الأنبار وصلاح الدين والموصل تحت غطاء جوي أمريكي باسم (التحالف)، فعلوا ذلك وهم يلعنون أمريكا ويسمونها الشيطان الأكبر!، وكانت بعض الدول الإسلامية وياللأسف- منخرطةً في المشروع الذي هو في حقيقته مذبح للمسلمين في المنطقة لإضعافهم والتنكيل بهم! وتم لهم ما أرادوا وأنجزوا المهمة! 

فما بالهم اليوم يعجزون عن فتح مضيق، أو لجم مليشيات مكشوفة؟!

خلال ذلك كانت المليشيات التابعة لإيران تحتل عواصم عربية، وتتسلح تحت عين الأمريكان وتحالفهم! فمن أين لهم بالطائرات المسيَّرة والصواريخ الخ؟! أقمارهم واستخباراتهم لا تعمل إلا إذا كان المشروع المقاوِم إسلامياً فقط! 

هو صراع عقيدي!

إغلاق مضيق باب المندب ومضيق هرمز من أهم الأسباب التي ينبغي وفق المنطق أن تكون سبباً في تكوين تحالف دولي لسحق مليشيات تسيطر عليهما! ؛ نظراً لأهميتهما الكبرى في الاقتصاد العالمي.ولكن أمريكا تبقي الوضع على ما هو عليه في الوقت الراهن لأنه يخدم مصالحها. 

الخطأ الكارثي في التاريخ الحديث كان احتلال صدام للكويت!

لو بقي العراق حاضراً بعد خروجه من الحرب الإيرانية العراقية منتصراً لما لعب الأمريكان ومن معهم في المنطقة بهذا الشكل العجيب! ولما استطاعت مليشيات مدفوعة بكل الحقد التاريخي أن تفعل ذلك كله لولا غض الطرف الأمريكي عنها بل الإشراف عليه. ولما تجرأت ( إسرائيل) على الجميع! فالعراق في التاريخ الحديث هو من استطاع لجم إيران ووقف مشروعها التوسعي، وكان بحق حارس البوابة الشرقية للعالم الإسلامي. 

وحتى نتصور الأمر تصوراً صحيحاً، نفترض لو أن إيران كانت إسلاميةً حقيقةً ماذا سيكون موقف أمريكا وحلفائها؟! 

الناظر في المشهد الآن…يستيقن أن إيران أهم من إسرائيل بالنسبة لأمريكا في الوضع الراهن، ولذلك فالإبقاء على هذه الحالة من الاضطراب في المنطقة بين حرب وسلم هي مقصودة جداً خدمةً لمصالحها. 

وقد رأى من له عينان، وسمع من له أذنان في الجولة الحالية من الحرب كيف أن إيران تضرب دول الخليج العربي ولا تطلق حتى رصاصة على (إسرائيل)!

لا ننكر أن هناك ضرباً وحرباً بين أمريكا وإيران، وأن بعض الأذى يلحق بإيران أو بأمريكا بين الفينة والأخرى، ولكن المهم لأمريكا أنها اصطنعت من إيران أداةً لها لتنفيذ مشروعها وتحقيق أهدافها في المنطقة، حتى وإن لم تعلم إيران ذلك، أو تتوافق أمريكا معها عليه، المهم أنها أداة تستخدمها وفق مصالحها سواء أعلمت أم لم تعلم!

السؤال المُلِح الآن: إلى متى تظل الدول العربية تثق بالأمريكان؟!

أما آن لها أن تستفيق من الخدعة الأمريكية؟!

وقد يقول قائل: فما بال الحصار الذي تفرضه أمريكا على إيران؟فنقول: إن الحصار الذي تمارسه أمريكا على إيران هو حصار جزئي! ليس كحصار العراق عندما كان يحكمها من ليسوا على هوى إيران!

وفي الحرب الأخيرة صرحت إيران بأنها قد صدّرت نفطاً بمليارات الدولارات! وأمريكا تصدح يومياّ وتصدع بأنها تسيطر على المضيق، وتطبق الحصار على الموانئ الإيرانية لمنعها من تصدير نفطها!

نسمح لك… ونغض الطرف عن أشياء …ونمنع أخرى!

كل هذه الأفلام الأمريكية الإيرانية يُلاحظ فيها تضرر دول المنطقة دون سواها، بخلاف أبطال الفيلم الأمريكي والإيراني! فهم يصدرون نفطهم وسلاحهم لزبائنهم وميليشياتهم وعملائهم في المنطقة وغيرها. 

ولا ننسى أنّ أمريكا هي من سلمت العراق لإيران الذي صار الحديقة الخلفية لإيران في المعاملات المالية والاستيراد والتصدير! وهي تعلم وتغض الطرف! هذا غير تعاملاتها مع دول أخرى معروفة في المنطقة وخارجها!

ما زلنا نتذكر كيف كان الحصار على العراق لمدة 13 سنة عجافاً، خنقت الشعب خنقاً حتى منعت أمريكا وحلفاؤها عن العراق أقلام الرصاص! بحجة أن مكوناتها يمكن أن تدخل في إنتاج بعض الأسلحة!

محاولة إظهار إيران بأنها مقاوِمة ودولة لها مظلومية وأنها ضد الغرب مسرحية هزلية! 

فهؤلاء لم يكونوا على مر التاريخ بالأدلة القواطع إلا خنجراّ في خاصرة المسلمين وعوناً لكل عدو عليهم. 

والموضوع كله من سقوط بغداد سنة 2003 م عبارة عن فيلم أمريكي هوليودي، مصمم لخداع المسلمين في المنطقة كلها، وابتزازهم وامتصاص ثرواتهم، بحيث لا تقوم لهم قائمة! ويبقى بيضهم كله في السلة الأمريكية!