أعجب لكثير من الناس في هذا الزمان! كيف يعطلون عقولهم، ويجعلونها تُقاد بهواهم، وما توسوس به أنفسهم؟!
أعجب لهم كيف يحرصون على أداء المباحات والنوافل وبعض السنن ويضيعون الفرائض؟!
أعجب لهم كيف يأخذون الجانب الشكلي الحسي من العبادات، ويذرون الجانب الروحي الأخلاقي منها؟!
يحرصون على أداء الصلوات في المساجد، وهم أهل فحشاء ومنكر، قوّالون للكذب، أكاّلون للسحت!
ومن لوازم الصلاة أنها تنهى عن ذلك!
والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ وَلَذِكرُ اللَّهِ أَكبَرُ وَاللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعونَ﴾ [العنكبوت: 45].
يحرصون على الصيام عن الطعام والشراب، ولا يألون جهداً في الولوغ في الغيبة والنميمة والتزوير في كل ما تصل إليه أيديهم!
والرسول ﷺ يقول:”مَن لَم يَدَعْ قَولَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يَدَعَ طَعامَه وشَرابَه”.(صحيح البخاري: 1903).
يحرصون على الأضحية وهم يضحون بدينهم في مذابح النفاق، ويقدمونها قرابين لأنداد يحبونهم كحب الله!
﴿لَن يَنالَ اللَّهَ لُحومُها وَلا دِماؤُها وَلكِن يَنالُهُ التَّقوى مِنكُم﴾ [الحج: 37].
ومن التدين الانفصامي نظر بعضهم إلى بعض المسائل الفقهية من وجهة واحدة، وفق رأي أحد أهل العلم من المحدَثين، وتسفيه ما يخالفه حتى وإن كان من أهل العلم من الفقهاء السابقين!
والعارف بفقه الإسلام يعلم يقيناً بأنه لا تكاد تخلو مسألة من مسائل الفروع في الدين من خلاف بين أهل العلم، فتقديم مذهب ما، أو اتجاه ما على مذاهب سائر الفقهاء في مسائل الفقه حتى وإن قَوِيَ دليلُ مخالفه، هو حالة انفصامية في فهم طبيعة الدين، وأحوال السلف الصالح من الأولين.
ومن صور التدين الانفصامي أيضاً…أن ترى أحدهم صدّاعاً بالحق إذا كان له، فَرّاراً منه إذا كان عليه! ﴿وَإِن يَكُن لَهُمُ الحَقُّ يَأتوا إِلَيهِ مُذعِنينَ أَفي قُلوبِهِم مَرَضٌ أَمِ ارتابوا أَم يَخافونَ أَن يَحيفَ اللَّهُ عَلَيهِم وَرَسولُهُ بَل أُولئِكَ هُمُ الظّالِمونَ﴾ [النور: 49-50].
ومنه أيضاً إذعان بعضهم للحكم الشرعي إذا كان متعلقاً بالآخرين، فإن تعلق به أو بأحد ممن يهمه أمره نكص على عقبيه! ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهواءَهُم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالأَرضُ وَمَن فيهِنَّ بَل أَتَيناهُم بِذِكرِهِم فَهُم عَن ذِكرِهِم مُعرِضونَ﴾ [المؤمنون: 71].
أو ترى إحداهن قد بالغت في حجابها، مشعرةً بعمق تمسكها بالدين، وهي قد حجبت عقلها وفهمها عن بعض أحكامه التي تمس أنانيتها.
ومن أسوأ ما وقعت عليه من مظاهر تفشي هذه الظاهرة الكارثية، انقلاب بعض المفاهيم لدي كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام!
فتراهم قلبوا الجد لعباً واللعب جداً!
فكم رأيناهم يجهدون أنفسهم في تحليل مباريات لعبة كرة القدم والاستغراق في تفسير ظواهرها! ويحلفون أغلظ الأيمان للاستدلال على ما وقع فيها من خطأ وغش ونحوه.
وهم أنفسهم لا ينبسون ببنت شفة، أو يقطبون جبيناً إذا عُطِّل حكم من أحكام الشرع، أو انتهكت حرمة من حرمات الله، وهذا رأس الجد كله! فهل هناك انفصام فوق هذا الانفصام؟ وخيبة فوق هذه الخيبة؟!
لماذا نراهم يُغرمون بالحرص على أداء الجانب الحسي من العبادات ويهملون الجانب الأخلاقي تماماً؟!
هذا كله وسواه أسهم – وياللأسف – في تسطيح الدين، وتقديمه إلى الآخرين بصورة شكلية باهتة!
ولكن الله سلّم! فلئن سألت غالب من دخلوا ويدخلون في دين الله عن أكثر ما حفزهم على الإسلام؟ ليقولُنّ: أخلاقه!
كل هذا وذاك جعل هناك انفصاماً بين جانبي العبادات التي ذكرناها والتي لم نذكرها، وهو ما دعاني لوصف هذه الظاهرة المنتشرة في زماننا هذا بـ(التدين الانفصامي)! وهي ظاهرة تهدد الدين من الداخل والخارج.
فمن الداخل تُحجّم الدين وتجعله حكراً على فئة ما تحاول خطفه والتكلم باسمه!
ومن الخارج يسهم هذا الانفصام في تقديم الإسلام بصورة مشوهة غير حقيقية، تنفر الناس منه، وتتيح المجال لقوم مغرضين ليطعنوا فيه، ويعملوا خناجرهم في نحره.
الإسلام كُلٌّ متكامل، إما أن يُؤخذ كله جملةً، أو يترك جملةً.
وأما التدين الانفصامي فهو سمة اليهود ووصمتهم كما قرر القرآن الكريم منكراً عليهم صنيعهم: ﴿أَفَتُؤمِنونَ بِبَعضِ الكِتابِ وَتَكفُرونَ بِبَعضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفعَلُ ذلِكَ مِنكُم إِلّا خِزيٌ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَيَومَ القِيامَةِ يُرَدّونَ إِلى أَشَدِّ العَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعمَلونَ﴾ [البقرة: 85].
نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر!
