عندما تأملت بعض الآيات في سورة الحشر رأيت أن القرآن الكريم قد حدد ثلاثة أصناف من المؤمنين مروا وسيمرون على البشرية!
أما الصنفان الأوليان فهما متعلقان بمرحلة زمنية محددة مرت وانتهت، والصنف الأخير هو الصنف الآخِر المستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وهو الذي سأفيض فيه القول؛ لأهميته ومقدار تعلقه بنا.
ولنتدبر الآيات الكريمات الدوال على ما ذكرت ثم يكون التعليق بعون الله وتوفيقه.
أما الصنف الأول فهو الذي قال فيه الحق تبارك وتعالى في سياق الكلام على وجوه صرف أموال الفيء: ﴿لِلفُقَراءِ المُهاجِرينَ الَّذينَ أُخرِجوا مِن دِيارِهِم وَأَموالِهِم يَبتَغونَ فَضلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضوانًا وَيَنصُرونَ اللَّهَ وَرَسولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقونَ﴾ [الحشر: 8].
فذكر سبحانه هذا الصنف من المؤمنين بالوصف الذي بينه، وأولئك هم المهاجرون من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهم في الفضل من هم! ولا ينكر فضلهم إلا منافق معلوم النفاق.
وأما الصنف الثاني من المؤمنين فهم الذين جاء وصفهم بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ وَالإيمانَ مِن قَبلِهِم يُحِبّونَ مَن هاجَرَ إِلَيهِم وَلا يَجِدونَ في صُدورِهِم حاجَةً مِمّا أوتوا وَيُؤثِرونَ عَلى أَنفُسِهِم وَلَو كانَ بِهِم خَصاصَةٌ وَمَن يوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحونَ﴾ [الحشر: 9] وهم الأنصار من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والقول في فضلهم ما قيل في فضل المهاجرين. لا يرتاب في ذلك إلا مغرض لا حظ له في الإسلام مثقال حبة خردل!
وأما الصنف الثالث والأخير والذي هو مستمر إلى قيام الساعة فهم الموصوفون بقوله جل من قائل: ﴿وَالَّذينَ جاءوا مِن بَعدِهِم يَقولونَ رَبَّنَا اغفِر لَنا وَلِإِخوانِنَا الَّذينَ سَبَقونا بِالإيمانِ وَلا تَجعَل في قُلوبِنا غِلًّا لِلَّذينَ آمَنوا رَبَّنا إِنَّكَ رَءوفٌ رَحيمٌ﴾ [الحشر: 10].
قال الفخر الرازي في تفسيرها:”يعني التَّابعين وهمُ الذين جاءُوا بعدَ المهاجرِين والأنصار إلى يومِ القيامة، قال ابنُ عمر: (هَؤُلاَءِ هُمُ التَّابعِينَ بالإحْسَانِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). قال ابنُ أبي ليلى: (النَّاسُ عَلَى ثَلاَثَةِ منَازلَ: الْمهاجرون، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيْمَانَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاجْهَدْ أنْ لاَ تَكُونَ خَارجاً مِنْ هَذِهِ الْمَنَازلِ).
ثم ذكرَ اللهُ تعالى أنَّ هؤلاء التابعين يدعُون لأنفُسِهم وللسَّلَفِ الذين سبَقُوهم، فقالَ تعالى {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}؛ أي لا تجعَلْ في قُلوبنا غِشّاً وحسَداً وبُغْضاً وحِقْداً للمؤمنين، فكلُّ مَن لم يترحَّمْ على جميعِ الصَّحابة وكان في قلبهِ غِلّ لَهم أو على أحدٍ منهم كان خَارجاً من أقسامِ المؤمنين؛ لأنَّ اللهَ رتَّبَ المؤمنين على ثلاثِ مراتب: المهاجرين، والأنصار، والتابعين إلى يومِ القيامة”.
وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن:”قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} يعني التابعين ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة. قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوّءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم. فاجْهَدْ ألاّ تخرج من هذه المنازل” إلى أن يقول:”هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة؛ لأنه جعل لمن بعدهم حظاً في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن مَن سبهَّم أو واحداً منهم أو اعتقد فيه شرَّاً إنه لا حق له في الفيء؛ روي ذلك عن مالك وغيره. قال مالك: من كان يُبْغِض أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو كان في قلبه عليهم غِلٌّ، فليس له حق في فَيْء المسلمين؛ ثم قرأ {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} الآية”.
قلتُ: فيستبين لكل مستبين مِن وصف الله تعالى لهم، أن من أهم ما أنعم الله به عليهم أنهم مشهود لهم ولمن سبقهم من المهاجرين والأنصار جميعاً بالإيمان، بنص القرآن! وأن من عادتهم دوام الدعاء لمن سبقهم من أصناف المؤمنين بصيغة فيها عبرة ونظرة.
من ذلك أنهم يستغفرون لأنفسهم ولإخوانهم من المؤمنين السابقين من المهاجرين والأنصار، وفي ذلك لفتة مهمة إلى أن الدعاء يكون للمؤمنين المستحقين لهذا الوصف، لا بأوصاف أخر كما صرنا نسمع بعض أهل هذا الزمان من اصطناع صيغ دعائية لا حظ لها في كتاب أو سنة صحيحة.
وفيه أيضاً أن المؤمن مهما علت رتبته، وارتفعت قيمته، فهو جد محتاج إلى الاستغفار؛ ذلك لأن الآدمي مجبول على الخطأ، محروم من الكمال، فالنقص فيه عادة، والاستغفار يلزم أن يكون له عبادة.
وفيه من الملاحظ المهمة أن المؤمنين لا يخرجون عن هذه الفئام والأصناف، فمن لم يكن على هداهم، ولا على سبيلهم ، أو أبغضهم -عياذاً بالله- فليس له حظ في الإسلام قِيد شعرة، ولا في الإيمان مثقال ذرة.
وفيه أن من دعائهم ما لا يتم الفضل لهم إلا به، ولذلك أُخِّر في آخره؛ ليتنبه من يتنبه إلى ذلك، ألا وهو سلامة القلب، تجاه المؤمنين تخصيصاً وتحديداً، وأن المؤمن لا يكون في قلبه غل لمؤمن أبداً، ولبلوغ هذه المنزلة وُفق المؤمنون إلى دعاء ربهم بذلك.
ولا أريد أن أفيض القول في فضل سلامة القلب، ففي ذلك كتب مؤلفة، ونصوص مصنفة، بيد أني سأكتفي برؤوس تلك النصوص، وواسطة عقدها؛ لتكون مناراََ لمن شاء أن يستنير.
فمن القرآن حسبنا قوله عز وجل: ﴿يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ وَلا بَنونَ إِلّا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَليمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].
ومن سنة النبي ﷺ “عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قلنا يا نبي الله من خير الناس؟ قال: «ذو القلب المخموم واللسان الصادق – وفي رواية صدوق اللسان -» قال: قلنا: قد عرفنا اللسان الصادق، فما القلب المخموم؟
قال: «التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي – وفي رواية : ولا غل – ولا حسد» قال: قلنا: يا رسول الله فمن على إثره؟ قال: «الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة» قلنا: ما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى رسول الله ﷺ ، فمن على أثره؟ قال: «مؤمن في خُلق حسن» قلنا: أما هذه ففينا”.
(حديث صحيح، رواه ابن ماجه 4216، والبيهقي في شعب الإيمان 4/ 4800، واللفظ له، والطبراني في مسند الشاميين 2/ 1218، وقال أبو حاتم في العلل 1873 : هذا حديث صحيح حسن).
ومعلوم لدى الألباء من الأطباء أن القلب السليم هو مدار السلام النفسي والعقلي… وحتى الجسدي! وأن غل القلوب هو أساس الأمراض القلبية، والعلل النفسية، والأدواء الجسدية.
وحسب أصناف المؤمنين هذه جميعاً ما مدحهم الله تعالى به في كتابه حيث ينتظمون في عقد رباني واحد! مفتاحه الإيمان، وبابه القلب السليم، ومحبة المؤمنين السابقين، وثمرته رضى الرحمن سبحانه، وعاقبته الخلود في جنات النعيم، يقول جل ذكره: ﴿وَالسّابِقونَ الأَوَّلونَ مِنَ المُهاجِرينَ وَالأَنصارِ وَالَّذينَ اتَّبَعوهُم بِإِحسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم وَرَضوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنّاتٍ تَجري تَحتَهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها أَبَدًا ذلِكَ الفَوزُ العَظيمُ﴾ [التوبة: 100].
هذه هي أصناف المؤمنين التي ذكرها القرآن الكريم على مر الزمن!
فإذ لم يكتب الله لنا أن نكون في الصنفين الأولين منها، فلنحرص -جهدنا – أن نكون من الصنف الثالث… والأخير هو! فمن ضيع ذلك لحق به الخسران، والظلم والهوان! عياذاً بالله من الخذلان.
