التصنيفات
لغويات مقالات

الاحتجان المعلوماتي لا الذكاء الصناعي! 

    

شاع في أيامنا هذه مصطلح الذكاء الصناعي! يريدون به ما يجتذبه أحدهم من معلومات أو صور ثابتة أو متحركة أو نحوها معالجَة تقنياً بما يريد! وذلك بناءً على قاعدة البيانات العالمية الهائلة التي تنساب منها تلكم المعلومات التقنية المعالجَة!

ولا أرى هذا المصطلح دالاً بدقة على المراد منه؛ ذلك لأن الذكاء هو وصف بشري لا يليق بآلة صماء!

فالذكاء البشري خليط من المعلومات والمشاعر النفسية الناتجة عن وعي مستنِد إلى الخبرة والتجربة الحيوية الإنسانية الإبداعية، وهذا خليط لا يمكن لآلة أن تقوم مقامه!

فلننزل كلاً منزله، فالإنسان هو الإنسان، والآلة هي الآلة، ولولا الإنسان لما وُجدت الآلة! فهي ما وُجدت إلا لخدمته!

فكيف لآلة أن تأخذ مقام الإنسان وهو الذي أوجدها وأنتجها ولقّمها المعلومات؟!

ولعل الذي أوهم الناس أن ما يحدث هو عملية ذكاء مصنوعة! سرعة معالجة المعلومات، إضافةً إلى كميتها الهائلة المتجمعة من بيانات البشر الذين يستخدمون التقنية صباح مساء في كل شؤون حياتهم!

فهذه التقنية صنعها الإنسان وهو الذي زودها بالمعلومات، ثم صنع ما يناسبها من آلات وأجهزة وشرائح وبرمجيات تعالج تلكم المعلومات وفق ما يريد!

لهذا كله لا أجد بداً من التعبير عن هذه العملية باصطلاح دالٍ عليها دلالة جامعة بدلاً من تعبير لا يصف العملية وصفاً حقيقياً واقعياً. 

وأرى أن مصطلح ( الاحتجان المعلوماتي) هو أكثر المصطلحات دلالةً على ما نحن فيه!

ذلكم لأن الاحتجان كما تدل عليه معاجم اللغة من الفعل (حَجَن) بمعنى (جذب)! وممارس هذه العملية هو طالب جاذب لأمر ما يطلبه والجذب فيه معنى السرعة. 

والاحتجان بالمِحْجَن وهو كالصولجان عصا ذات رأس معوج آلة تستخدم لعملية الجذب والطلب. جاء في مختار الصحاح:(احتجنته: إذا جذبته بالمِحْجَن إلى نفسك). 

وصيغة (الافتعال) في اللغة تدل على اشتراك أكثر من جهة لحدوث شيء ما كالاحتراق والاشتعال والافتراق ونحوها، فلا تتم مثل هذه العمليات من طرف واحد ! بل لابد من تشارك عدة أطراف كي تتم، فالاشتعال مثلاً لابد فيه من شيء يشتعل، وعامل يُشعِل فيه، ووسيط هواء (أكسجين)، إضافةً إلى وسيلة تقوم بعملية الاشتعال، فهذه أربعة عناصر. 

ولذلك فمصطلح الذكاء الصناعي قاصر للدلالة على تلكم العملية المعلوماتية المعالجَة!

أما الاحتجان فقد حوى من الدلالة على عناصر عملية المعالجة المعلوماتية كلها من طالب المعلومة ( الحاجن)، فالمطلوب وهو (المحجون)، فالأداة (المحجن) وهي الجهاز التقني المستخدم في هذه العملية التقنية، والسرعة في الوصول إلى المعلومة بتعبير يفيد معنى الجذب الذي يدل على السرعة الخاطفة! وهو (الحَجْن). 

وفيه أيضاً ما يدل على اشتراك كل ما ذكر لتتم عملية التفاعل والمعالجة وصولاً إلى ما يومئ إليه الافتعال والذي دل عليه ( الاحتجان)! بصيغة الافتعال على ما هو مقرر في علم الصرف. 

أضف إلى ذلك أن الاحتجان يتضمن معنى الجمع والاحتفاظ بالشيء، يقال : احتجن المال، أي: جمعه. (ينظر: المصباح والقاموس وغيرهما- حجن). 

وهذا يضيف دلالةً إضافية إلى الاحتجان علاوةّ على ماسبق، فالعملية كلها قائمة على جمع البيانات والمعلومات والاحتفاظ بها. 

وأيضاً فالاحتجان يتضمن معنى المِحْجَن، وهو ما يُحتجن به أي ما قد يُتَّقى به!

وفيه دلالة على توقِّي كثير ممن يمارسون هذه العملية وعدم ظهورهم!

وهذا أمر معروف مُشاهَد لدى كثير ممن يتعاطون الاحتجان المعلوماتي! فيتترسون به كي لا يظهروا بمظهر العاجز الذي استعان بغيره للوصول إلى مبتغاه!

ولقد علمت أن كثيراً من الموظفين في مجال التقنية والتعليم والإدارة وغيرها يقومون بعملهم من خلال الاحتجان المعلوماتي مخفين عجزهم وراءه، كي يظهروا أمام مديريهم ومشغليهم بأنهم أصحاب خبرة وإنجاز! وهذا لا يخفى إلا على الجهلاء والمغفلين منهم. 

ولا يُفهم من كلامي السابق بأني ضد الاحتجان المعلوماتي أو أني أدعو إلى نبذه! فهذا أمر دونه خرط القتاد!

ولكني أدعو من يمارسونه إلى أن يكونوا أمناء في تعاطيه، فيذكرون استعانتهم به بوصفه أمانةً علمية، كما نطالب من يقتبس معلومةً من مصدر ما أو مرجع أن ينسبها إليه، وفق ما يقتضيه البحث العلمي الصحيح، القائم على أدبيات الأمانة العلمية، والأخلاق المهنية. 

ولا ننسى بأن الاعتماد المطبِق على الاحتجان المعلوماتي في زمننا هذا لهو أمر مقلِق! لأنه ربما يسهم في قتل روح الإبداع الإنساني، والرقي الأخلاقي الذي به تتقدم الأمم. 

ثم وصفتُه بالمعلوماتي لا الصناعي؛ لأن العملية كلها قائمة على المعلوماتية وقواعد بياناتها الهائلة المتجمعة في فضائها، والتي تنهمر علينا بواسطة خوادم ضخمة تقوم بمعالجتها وإرجاعها إلى طالبيها. وهي عملية صناعية في الأصل، فلا وجه لتسميتها بما هو معلوم أصالةً كما هو معروف عند اصطلاح المصطلحات! 

فتحصل لنا في هذا المصطلح 

الحاجن والمحجون والمحجن والاحتجان. 

فالحاجن: ممارس العملية.  

والمحجون: المطلوب.  

والمحجن: الآلة التي يتم بها جلب البيانات والمعلومات، وتفيد كذلك معنى التوقي بها، والتترس وراءها!

والاحتجان: هو العملية كلها برمتها، من جمع المعلومات والاحتفاظ بها. إلى تفاعل كل عناصرها ومعالجتها لإنتاج المطلوب. 

والله الموفق والمستعان.