التصنيفات
خواطر مقالات

نوع من البشر!

هناك أنواع من البشر محسوبة عليهم بالنظر إلى النوع الخَلقي (البيولوجي )! ولكننا عندما ننعم النظر فيهم وفي معاملاتهم وسلوكهم فيتبين لنا بأنهم وحوش كاسرة، بوجوه ناعمة. 

ومن هذه الأنواع صنف أعيذني بالله وإياك من أن تلقاه أو تراه! …يزخرف قوله بالدِّين والحكمة، ويصطبغ بصِبغ ليس له منه إلا اسمه! امتلأ سواداً يكفي الدنيا! واستولى عليه الحسد حتى ملأ جوفه ناراً…

واستحوذ عليه الشيطانُ حتى تفوق عليه في زخرف القول، ومكائده ومصائده!

هذا النوع من البشر نضح حقداً حتى أصبح يعتقد بأن له حقاً في مشاركة الناس أرزاقهم وتعبهم وما جنوه في غربتهم!

 فتراه يتكفّف من تصل إليه حبائلُه، بالمسكنة والكذب تارةً، وبالدجل والاحتيال تارةً أخرى، بل عدِّد ما شئتَ من هذه الأساليب القذرة!

لا مشكلة لديه في إراقة ماء وجهه، فلا ماءَ وجهٍ لديه أصلاً. 

ولله در القائل:

إذا قلَّ ماءُ الوجه قل حياؤه

ولا خير في وجه قلَّ ماؤه…!

وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:”إنَّ ممَّا أدرَك النَّاسُ مِن كَلامِ النُّبوَّةِ الأولى: إذا لم تَستَحِ فاصنَعْ ما شِئتَ”.(صحيح البخاري: 6120). 

فيظل هذا الشقي يتصيد فرائسه من أقرب الناس إليه حتى أبعدهم، مبتذلاً متمسكناً كاذباً حتى إني عجبت من وقاحة هؤلاء وجراءتهم في الابتذال والكذب وأكل أموال الناس بسيف الحياء بالباطل والسحت. 

وقد رهَّب القرآن الكريم أصحاب هذا المنهج الفاسد، والمسلك الجائر، فقال سبحانه: ﴿وَلا تَأكُلوا أَموالَكُم بَينَكُم بِالباطِلِ وَتُدلوا بِها إِلَى الحُكّامِ لِتَأكُلوا فَريقًا مِن أَموالِ النّاسِ بِالإِثمِ وَأَنتُم تَعلَمونَ﴾ [البقرة: 188]. 

قال الشوكاني في تفسيره:”هذا يعم جميع الأمة، وجميع الأموال… والحاصل أن ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه، فهو مأكول بالباطل، وإن طابت به نفسُ مالكه: كمهر البغيّ، وحلوان الكاهن، وثمن الخمر. والباطل في اللغة: الذاهب الزائل”. 

ولا أرى تصويراً لهؤلاء الخسيسة أفعالهم، المريضة قلوبهم، أدقَّ مما ورد في الحديث الصحيح الذي صوّر هذا النوع من الناس تصويراً تقشعر منه الأبدان، وينفر من هوله الحيوان! فعن عبدالله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

“من سأل الناسَ في غيرِ فاقةٍ نزلتْ به ، أو عيالٍ لا يطيقُهم ، جاء يومَ القيامةِ بوجه ليس عليه لحمٌ”. 

رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (3526) واللفظ له. 

وهو حديث حسن لغيره كما قال الحافظ المنذري والألباني في صحيح الترغيب برقم:  789.

ورواه كذلك ابن أبي الدنيا في ((القناعة والتعفف)) (18) باختلاف يسير، والطبري في ((مسند عمر)) (21). 

وفي رواية عند البيهقي في الشعب من غير إسناد برقم 3526:

“من فتح على نفسِهِ بابَ مسألةٍ من غيرِ فاقةٍ نزلَتْ به ، أو عيالٍ لا يُطيقُهم ، فتح اللهُ عليه بابَ فاقةٍ من حيثُ لا يحتسِبُ”. 

وحكمه كحكم سابقه ينظر: صحيح الترغيب رقم:  790.  

وجاء في التحذير من هذا السلوك المشين، والأسلوب الحرام حديث صحيح لا يقل خطورةً عنه! فعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:”مَن أخَذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ أداءَها أدَّى اللهُ عنه، ومَن أخَذَ يُريدُ إتلافَها أتلَفَه اللهُ”.(صحيح البخاري: 2387). 

ففي هذا الحديث “يُخبِرُ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِفَضلِ المَدينِ الَّذي يَنوي الوَفاءَ بدَينِه، وبالوَعيدِ لِلمَدينِ الَّذي يَنوي أكْلَ مالِ دائنِه وعدَمَ سَدادِ دَينِه، فيُبيِّنُ أنَّ مَن أخَذَ أموالَ النَّاسِ على سَبيلِ القرْضِ أو غيرِه مِن أوجُهِ المُعامَلاتِ، وهو يَقصِدُ ويَعزِمُ على ردِّ دَينِه؛ يَسَّرَ اللهُ له ما يُؤدِّي منه، وأَرْضَى دَائنَه عنه في الآخرةِ إنْ لم يَستطَعِ الوَفاءَ في الدُّنيا.أمَّا مَن أخَذَ أموال النَّاسِ على سَبيلِ القرْضِ أو غيرِه مِن أوجُهِ المُعامَلاتِ، وهو يُريدُ إتلافَها، أي: عدَمَ رَدِّها؛ (أتْلَفَه اللهُ)، أي: أذهَبَ مالَه مِن يَدِه، فلا يَنتفِعُ به في الدُّنْيا؛ لِسُوءِ نِيَّتِه، وعاقَبَه على الدَّينِ في الآخرةِ.وفي الحديثِ: أنَّ النِّيَّةَ الصَّالحةَ سَببٌ قَويٌّ للرِّزقِ وقَضاءِ الحَوائجِ، وفكِّ الكَرْبِ، وأنَّ النِّيَّةَ السَّيِّئةَ سَببٌ لِلتَّلَفِ والإتلافِ”(الموسوعة الحديثية). 

مثل هذا النوع من أشباه البشر يجب التحذير منه وتجنبه، والاستعاذة بالله منه كما يُستعاذ من الشيطان، فهو من العينة ذاتها. 

ولا يجوز تعويده على ذلك بل إن الواجب منعه من مشاركة الناس أموالهم بالكذب والدجل والتزوير. 

وكنتُ قد قرأتُ مقولةً أعجبتني تنطبق على مثل هؤلاء، وعلى كل من ساءت نيته، وفسدت طويته:”النَوايا السَّيئة لا تَظلُّ مُستتِرة، بل تخرج على هيئةِ أقدارٍ تُهلِك صاحِبها، ولو بَعْد حِين”.