هيمنت العلمانية العالمية في الشرق والغرب على النُظُم الحاكمة، ولست هنا بصدد مناقشة هذا الأمر -ولا سيما في الغرب -، والظروف التي قادت إليه وعلى رأسها تغوّل الكنيسة في العصور الوسطى… الخ، ولكن الذي يعنيني في هذه المقالة هو ما أفرزه هذا التحول التاريخي البنيوي في المجتمعات التي عاشت في ظلاله.
ولعل أهم متلازمة للعلمانية هي التحول إلى المجتمع المدني، والذي يعني فصل النُظُم الدينية عن المجتمع، وحصره في طقوس عبادية زمنية ومكانية معينة.
وهذا التحول هو عام تام في غالب المجتمعات في العالم، وهو تحول نسبي جبري في بعض المجتمعات المسلمة لا كلها!
والمجتمعات المسلمة المحظوظة كان نصيبها إبقاء قانون الأحوال الشخصية وفقََا لدين الإسلام، وبتفاوت في بعض الأحيان.
هذا كله سرد واقعي معروف طبيعي بالنظر إلى التحولات السياسية والاجتماعية التي اجتاحت العالم، ولا سيما بعد الحرب العالمية الأولى.
ولكن غير الطبيعي في هذا المجال هو ما نراه ونعيش فيه مع مسلمين في المجتمعات المسلمة، عندما نرى بعضهم يتحول طوعاََ لا كرهاََ نحو المدنية، ويطبقها في سلوكه ونظام حياته، وهو يظن أنه على الدين الحق!
فعندما نرى أحدهم مثلاََ: يحافظ على صلواته في المسجد أو في غيره، ثم يبدأ بالانفصال عن الدين في معاملاته وسلوكه تدريجياً بمجرد الخروج من المسجد أو الصلاة، فهنا تطل برأسها ظاهرة ما سميته (المدنية السلوكية)!
وكذلك: ترى آخر أو أخرى يقرآن القرآن لكن أحكامه لا تتجاوز تراقيهم!
وآخرون يحرصون على النوافل أكثر من الفرائض، ولئن بحثتَ عنهم لوجدتَهم في عَرَصَات الحرم يؤدون العمرة، ويتنافسون في التقاط الصور حول الكعبة، فما أن تطأ أقدامهم بلادهم حتى يبدؤوا بممارسة فنون الغش والخداع والكذب بأنواعها، ويغيرون وجوههم كما غيروا ملابس الإحرام، ولئن حادثتَهم لنفثوا كلاماََ معسولاََ، وعباراتٍ توحي بأنهم من القديسين والصالحين! وهذه مدنية سلوكية طوعية، غزت مجتمعاتنا ونخرتها حتى عادت كالعرجون القديم!
وآخر يستغشي ثياب العلم والدين، فإن عاملتَه قفز من ثيابه شيطان، لا يرى مانعًا من تزوير الأحكام والأدلة، والتحايل عليها لتتماشى مع سلوكه المدني الأثيم.
وترى آخر …محروماََ من حقوقه الزوجية لسبب من الأسباب الكثيرة، ككبر زوجه أو مرضها ونحو ذلك، ويخشى من الزواج من أخرى مع قدرته وفقاََ لما قررته الشريعة الإسلامية، محوِّلاََ زواجه إلى كاثوليكي، وسلوكه الاجتماعي إلى سلوك مدني، فيَحْرم نفسه من مباح لأجل إيلافه ذلكم السلوكَ المدني الغريب! الذي ما هو إلا رق في ثوب عصري، في ظاهرة اجتماعية غريبة وغير منطقية في مجتمع مسلم!
هذا المدنية السلوكية الطوعية التي غشيت مجتمعاتنا، هي في حقيقة الأمر نوع من الركون إلى شرائع بعيدة كل البعد عن الإسلام، واستمراء للعبودية لحياة مدنية لم يفرضها قانون، أو تجبر عليها دولة.
