سأطيل قليلاً في هذه المقالة مع أني لا أحب الإطالة؛ ذلك لأن الموضوع كبير، والمصاب جلل، ولابد من تغطيته من الجوانب، الشرعية والسياسية والعسكرية.
أما الجانب الشرعي فهناك بديهيات معروفة للجميع فلا أريد الكلام عليها أو أن يأتي أحد فيزايد علينا فيها.
منها… قدسية قضية فلسطين وواجب تحريرها كلها من اليهود المحتلين، كما ينسحب ذلك على أي أرض إسلامية، مع خصوصية فلسطين عن غيرها بما آتاها الله من فضائل ألفت فيها الكتب، ويكفي أنها مسرى رسول الله ﷺ ومعراجه.
ومن البديهيات أن الرباط في بيت المقدس وأكنافه خير رباط، والثبات على هذا الحق هو شعار الطائفة الظاهرة الممدوحة في صحيح السنة.
ومن البديهيات وجوب وقوفنا مع فلسطين بالجهاد بالمال والنفس وبكل ما أوتينا من قوة. بما يدعم صمود أهلها المبتلين بهذا الاحتلال الغاشم.
ومن البديهيات أن ما يقدم لفلسطين وأهلها واجب شرعي وتكليف ديني، لا مِنّة ولا صدقة.
ومن البديهيات أن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من زوال الدنيا بأسرها. فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:”لَزَوَالُ الدنيا أَهْوَنُ على اللهِ من قَتْلِ رجلٍ مسلمٍ”. أخرجه الترمذي (1395)، والنسائي (3987) وغيرهما، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه كما قال الألباني في غاية المرام برقم: 439.
ومن البديهيات أن المسلم مأمور شرعاً بالإعداد للجهاد بكل أنواع الإعداد وأشكاله، وأنه لا يجوز له أن يتورط بحرب أو معركة دون الإعداد المناسب والكافي لها؛ حقناً لدماء المسلمين، وتجنباً للمفاسد العظيمة التي قد تترتب على ذلك.
ومن البديهيات الشرعية والعقلية الموازنة بين المفاسد والمصالح فيما يقدم عليه المسلم، فإذا غلبت المفاسد أحجم، وإذا غلبت المصالح أقدم.
ومن هنا أبدأ…
وأطرح هذا السؤال:
عندما أقدمت منظمة حماس على ما أقدمت عليه من عمل تجاه اليهود المدعومين من كل دول العالم في تاريخ 7/ 10/ 2023 ، وهي من تولت حكم غزة وقطاعها وشعبها وتعهدت بمهام القيام بأمر غزة وحماية أهلها، هل كانت مستعدة لتحمل النتائج الكارثية التي وقعت جراء هذه العملية التي سمتها (طوفان الأقصى)؟ وهل كانت في موقع مَن يؤدي الأمانة بحماية سكان غزة وأهلها العزل، في ظل الظروف الدولية السيئة التي تمر بها المنطقة وعلى رأسها حصار غزة من اليهود وأعوانهم؟ دع عنك تغول الصهيونية في كل مكان تقريباً.
الجواب معروف بما رأيناه من الدمار والقتل والتشريد والتهجير وحرب الإبادة التي شنتها دولة اليهود بأحدث الأسلحة الأمريكية. وكما يقال: فالأعمال بخواتيمها، والأمور بنتائجها.
النتيجة كانت كارثية مدمرة لسكان غزة التي يزيد عددهم عن مليوني إنسان، وحتى كتابة هذه السطور بلغ عدد القتلى من الأطفال حوالي 7000 ومن النساء مثله تقريباً، ومجمل الشهداء بإذن الله تعالى يزيد عن 23000، وتم إبادة أكثر من 50 عائلة إبادة كاملة، هذا عدا ممن قضوا تحت أنقاض منازلهم وغيرها ولم يتمكن أحد من إخراجهم، وعددهم بالآلاف كا يقول أهل عزة! ناهيك عن الدمار الشامل للبنية التحتية والفوقية وتدمير مرافق الحياة الصحية والحيوية، وتدمير المشافي وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي بطريقة متعمدة لجعل الحياة مستحيلة في غزة، ولا عجب فأنت تتعامل مع اليهود! ويكفيهم ما وصفهم الله به في كتابه العزيز، وما حرفوه ودلسوه في كتبهم من عقائد فاسدة تفيض بالحقد والقتل للبشرية جمعاء. هذا فضلاً عن الحصار من العدو والقريب بمنع الماء والكهرباء والغذاء والدواء إلى غزة المكلومة.
هل يجوز لمسلم أن يغامر بمصير شعب كامل من المسلمين من أجل مصالح حزبية سياسية؟ أو لنقل: لمنافع أقل من المفاسد؟
الجواب معروف أيضاً… فالمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.
والمفاسد التي أصابت مجموع الشعب أكبر من أن تقاس بمصالح منظمة أو حركة سياسية، أو أي منافع أخرى.
والقاعدة الفقهية تقول: (درء المفاسد أولى من جلب المصالح).
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقتُلوا أَنفُسَكُم إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُم رَحيمًا وَمَن يَفعَل ذلِكَ عُدوانًا وَظُلمًا فَسَوفَ نُصليهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسيرًا﴾ [النساء: ٢٩-٣٠].
بل جعل الله تعالى عدم التزود بالنفقة في الجهاد، والإعداد له حق الإعداد تهلكةً ودماراً.
يقول سبحانه: ﴿وَأَنفِقوا في سَبيلِ اللَّهِ وَلا تُلقوا بِأَيديكُم إِلَى التَّهلُكَةِ وَأَحسِنوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحسِنينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسند حسن، عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ :”وذلك أن رجالًا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، بغير نفقة، فإما يقطع بهم وإما كانوا عيالًا، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة:أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي. وقال لمن بيده فضل: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [١٩].” تفسير ابن أبي حاتم 1/ 331.
وقال ابن كثير تعقيباً عليه:
“ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، والإخبار عن ترك ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾”.
وإن من الأنانية المفرطة، أن تقرر منظمة مصير شعب من المسلمين، وتقوم بأعمال لا تهتم فيها لنهر الدماء الذي سيسيل منهم، والخراب والدمار والتهجير الذي سيطالهم، ولا تلتفت إلا لمنافع ومصالح دونها بكثير مهما كانت.
هذا ما رأيته بالضبط وما زلت أراه من نتائج ما أقدمت عليه (حماس).
إذا كنتم غير قادرين على حماية الناس وتوفير الغذاء والماء والكهرباء والدواء لهم، فعن أي جهاد ومعركة تتحدثون؟!
هل الظروف الدولية مناسبة لما فعلتم، وغزة محاصرة براً وبحراً وجواً؟
الجهاد له شروطه وظروفه وضوابطه الشرعية التي ضربتم بها عرض الحائط. ولئن سألتهم هل أعددتم للأمر عدته؟ ليقولن نحن أمرنا أن نعد بما استطعنا إليه سبيلاً! وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرينَ مِن دونِهِم لا تَعلَمونَهُمُ اللَّهُ يَعلَمُهُم وَما تُنفِقوا مِن شَيءٍ في سَبيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لا تُظلَمونَ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وهذا لعمر الحق فهم مغلوط، وتفسير مقلوب، وإنزال للآية في غير موضعها! فمن المسلمات أن القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان، وقد خوطبنا به لنصلح أحوالنا على مر الأعصار والأمصار، ومن المسلمات أن لكل زمن ظروفه وأدواته وأحواله، ومن مظاهر زماننا هذا تغير الآلة الحربية تغيراً جذرياً، فتحولت جميعاً إلى الرمي، سواء أكان من الأرض أم من الجو أم من البحر ، وهذا أضفى قوةً حربية هائلة للجيوش في معاركها قتلاً وتدميراً، وهو ما يؤيده حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: “سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَهو علَى المِنْبَرِ يقولُ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ”.صحيح مسلم1917.
فهذا تفسير نبوي للآية الكريمة، ولنلاحظ التكرار اللفظي لتفسير الآية في قوله عليه الصلاة والسلام: (أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ) وهو للفت الانتباه لأهمية المعنى المكرر وتوكيده، وهو الذي يسمى في النحو توكيداً لفظياً.
وهذا يعني أن الإعداد يكون من جنس ما هو في زمان المسلمين من أدوات الحرب وآلتها، وهذا ما كان يفعله الرسول عليه الصلاة والسلام والمسلمون من بعده في حروبهم كلها، فبعد الإعداد لما يستطيعونه من قوة من جنس ما تعارف عليه أهل الزمان وليس غيره، بعد ذلك يقولون: ﴿كَم مِن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصّابِرينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. والسيرة النبوية الشريفة تحفظ لنا كم كانت سيوف خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة رضي الله عنهم صارمةً شديدة على أعدائهم، وقد أعد المسلمون في معاركهم من السلاح ما كان معروفاً في زمانهم من خيل وسيوف ورماح وأقواس وسهام ونبال الخ، ولما تطورت الآلات إلى المجانيق كان عند المسلمين أقواها وأعتاها، وأسوار عمورية تشهد لها كيف كانت سبباً في فتحها.
وهذا من الأسباب المادية التي أمرنا بها شرعاً، وهي تفسر لنا كيف كانت أعداد المسلمين في غالب معاركهم وعدتهم أقل من أعدائهم، ومع ذلك كانت خسائرهم أقل من أعدائهم! واليوم نجد المسلمين في معاركهم تكون خسائرهم أضعافاً مضاعفةً مقارنةً بعدوهم! لماذا؟ للخلل الواقع في فهم كيفية الإعداد للمعارك الكبرى من كل النواحي.
الناس الآن تُقتل بلا ثمن ولا هدف ولا نتيجة إلا مزيداً من الخراب والدمار وسفك الدماء.
ودعوني أخبركم بأنكم مسؤولون شرعياً وتاريخياً وأخلاقياً عن كل قطرة دم سالت من طفل أو امرأة أو شيخ أو رجل من أهل غزة.
(مَن يحكمْ عليه أن يحمي محكوميه).
هذا هو القانون الشرعي والإنساني.
وأنتم لم تقوموا بهذا الواجب وهذه المسؤولية في حق أهل غزة، وأسلمتموهم ليكونوا ضحايا أعتى الأسلحة الأمريكية من طائرات وصواريخ وقذائف وغيرها.
تركتموهم لمصيرهم المحتوم في الموت والخراب والدمار والتهجير، واكتفيتم بالانتشاء بنصر موهوم، وإنجاز مزعوم!
على من تراهنون؟
على خطب حنجرية، ومظاهرات جماهيرية لملياري مسلم لا يملكون إيصال حبة دواء إلى أهل غزة!وبعدها سيذهب كل منهم إلى بيته وفراشه، وأهل غزة لن يجدوا إلا الأرض يفترشونها، والسماء يلتحفونها! جائعين عطشى بردانين مكلومين!
فأكبر شيء حصلتم عليه في هذه المعركة لا يساوي الدماء التي نزفت، والصرخات التي اهتزت لها الجبال.
وتذكروا أن نتائج مغامراتكم السابقة كمسيرات العودة كما سميتموها وغيرها كانت مزيداً من القتل والحصار لأهل غزة، والتطبيع والخنوع من غيرهم.
ولنتذكر حديث نبينا محمد ﷺ:
” عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَانَ كَاتِبًا لَهُ، قَالَ : كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَرَأْتُهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ. ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ، قَالَ : ” أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ “. ثُمَّ قَالَ : ” اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ “. صحيح البخاري 2965.
الكارثة الواقعة على غزة أكبر من كل الكلام والخطب والشعارات التي لم تستطع إدخال قنينة ماء لهم.
ومازلنا نسمع بين الفينة والفينة بعض قادة حماس يسوغون لعمليتهم العسكرية، ولا أرى أنها مسوَّغة! بعد هذا الحجم الهائل من الدمار والقتل والنكال.
وهي لا تعدو محاولات لتبرير حجم الخسائر الكبيرة التي مُنينا بها.
بل إن العدو اليهودي قد يتخذ ما فعلته حماس مبرراً لتهجير أهل غزة والتنكيل بهم وإفراغ الأرض من أهلها، والاستيلاء عليها.
الخسائر ليست مجرد أرقام كمية بل خسائر نوعية ضخمة في كل شيء، من بنية تحتية وفوقية وبشر وخبرات علمية وفنية قد لا تعوض.
هم في أنفاقهم لديهم ما تزودوا به، وقد أعدوا لذلك منذ زمن ليكفيهم أشهراً أو ربما سنوات! بل وزعوا زجاجات الماء المعدني على الرهائن من اليهود حال تسليمهم! ليحسنوا صورة حزبهم لدى الغرب وما هو بمحسَّن! مع أن اليهود يمنعون الماء والدواء عن الأسرى الفلسطينين ناهيك عن التعذيب النفسي والجسدي الموثق في سجلات منظمات حقوق الإنسان العالمية.
أما في الجانبين العسكري والسياسي فكانت قد تشكلت لدي منذ زمن قناعة بناء على استقراء حركات التحرر في العالم، وهي أنه في مثل حالتنا مع اليهود -وكل حالة في العالم تختلف نسبياً عن الأخرى- أن المقاومة ينبغي أن تستمر ولكن بطريقة مختلفة.
بمعنى أن تشاغل العدو بمعارك جانبية من هنا وهناك. بحيث لا يهنأ في احتلاله. فلا يفهمن أحد من كلامي السابق أني ضد مقاومة الاحتلال ومقارعته ورفضه بشتى الوسائل والأساليب الممكنة، فهذا حق شرعي طبيعي لكل إنسان.
لكن الدخول في معركة كبرى كالحاصل الآن، فهذه المعارك -في رأيي- تحتاج إلى تحضير أفضل، وصبر أطول؛ من أجل حماية الناس من الإبادة الجماعية جراء القصف الجوي المتعمد لقتلهم وتدمير معنوياتهم ونفسياتهم ومكتسباتهم كما يقع الآن. نحن نخسر من المدنيين علماء وأطباء وخبراء وكفاءات هائلة!
أريد أن أقول: كان ينبغي عليهم قبل ذلك الدخول في تحالفات دولية عسكرية مع الصين وروسيا وحتى كوريا الشمالية وغيرها للحصول على سلاح نوعي يشل حركة الطيران، ويستنزف طاقة الاحتلال ويرغمه هو ومن يدعمه للقبول بشروط المقاومة، تماماً كما حصل للأفغان عندما زودتهم أمريكا بصواريخ (ستينغر) التي حولت مجرى المعركة مع الاتحاد السوفييتي حينئذ، وأجبرته بكل قوته وجبروته على الانسحاب بلا شروط.
معارك بهذا الحجم تحتاج إلى تنسيق دقيق وعقد تحالفات واتفاقيات دولية مهمة. ولننظر إلى الاحتلال فلولا حلفاؤه الغربيون والدعم الغربي له لما استطاع الحرب بل لما وُجد أصلاً. فإذا كان الطرف الأقوى مادياً في هذه المعركة وهو الاحتلال اليهودي لديه من الأحلاف أقواها، ومن الأسلحة أعتاها، جراء تلكم الأحلاف والاتفاقيات بطغواها، فما بالكم بالطرف المظلوم المحاصر في هذه الحرب، فمن باب أولى أن تكون له تحالفات واتفاقيات تضمن له الحصول على السلاح النوعي الرادع، والإمداد والدعم المتدفق.
الآن العالم الغربي كله تقريباً يحارب غزة. فعندما نقول أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا فهذا هو الغرب بقضه وقضيضه.
ولا بد من التنويه هنا إلى أن هذه التحالفات والاتفاقيات كانت ستشكل فرصة كبيرة لروسيا والصين من جهات عديدة . فمصالحهم تتقاطع تماماً مع المقاومة.
باعتقادي كانت فرصة ذهبية لو اشتغلت المقاومة على هذا الأمر، ولما كانت النتائج كارثية بحق المدنيين بهذا الشكل المريع. ولاستطاعوا تحويل مجرى المعركة وتغيير خريطتها ونتائجها.
فلو أن طائرة حربية سقطت للاحتلال الصهيوني لتغير وجه المعركة.
روسيا كانت تنتظر فرصة لتنتقم من الغرب وخاصة أمريكا مما فعلوه بها بأفغانستان وأوكرانيا وتفجير خط غازهم الذي يغذي أوروبا (نورث ستريم).
والصين يهمها عدم نجاح إسرائيل في حربها؛ لأنه سيقضي على طريق الحرير الذي تعمل عليه منذ زمن لإيصال إنتاجها وبضائعها للعالم بانسيابية ويسر، والذي هددته أمريكا بالتعاون مع إسرائيل وشركائها في المنطقة بطريق بديل نواته الهند والشرق الأوسط مروراً بالخليج ثم فلسطين المحتلة، ومن هناك لأوروبا والعالم. وهذا ليس سراً فقد صرح به (نتنياهو) و (بايدن).
وهو خطر داهم يهدد اقتصاد الصين وروسيا ومصر بشكل رئيس لأنه سيقضي على قناة السويس.
فماذا فعلت حماس ومع من تحالفت؟
وتالله لو تحالفوا مع روسيا والصين لكان خيراً لهم وأهدى سبيلاً، وأنجع طريقاً.
لكنه الفشل السياسي والعسكري المزمن لبعض الحركات والأحزاب! وهو الذي لا يمكن أن يعترفوا به وياللأسف.
صحيح أن روسيا يداها ملطخة بدماء السوريين وغيرهم من المسلمين، لكن الإفادة منها في مثل هذا العالم القائم على الأحلاف شر لابد منه! فعدو عدوي صديقي على حد المثل!
إضافةً إلى ما تمتلكه روسيا من وسائل وأسلحة استراتيجية مهمة من الأقمار الصناعية إلى مضادات الطائرات ونحوها من الأسلحة رادعة.
فكما حصلوا على صواريخ أرض أرض كان عليهم العمل على الحصول على صواريخ أرض جو مضادة للطائرات قبل الدخول في معركة كبرى مع العالم الغربي كله؛ كي تكون لهم قوة ردع تدرأ عن الناس الموت الزؤام الذي يرفرف فوق رؤوسهم على مدار الساعة، ولم يُبقِ حجراً على حجر، ومافتئ يمزق أجسادهم ويحرقها صغاراً وكباراً.
ولو أن المعركة فرضت عليهم ولم يبدؤوها لقلنا كلاماً غير الذي قلناه من حيث التأصيل الشرعي والعقلي. فيجب عليهم حينئذ الدفاع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم بما يستطيعون وما تطاله أيديهم، كما هو واجب في حق أي مسلم بل أي إنسان سوي، ومن قتل دون ذلك فهو شهيد بنص الحديث النبوي الصحيح، فعن سعيد بن زيد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ :” مَنْ قُتِلَ دون دِينِهِ ؛ فهو شهيدٌ ، ومن قُتِلَ دون دَمِهِ ؛ فهو شهيدٌ ، ومن قُتِلَ دون مالِهِ ؛ فهو شهيدٌ ، ومن قُتِلَ دون أهْلِهِ ؛ فهو شهيدٌ”. رواه الترمذي والنسائي وأبوداوود والبيهقي وأحمد وغيرهم.(صححه ابن حجر العسقلاني في هداية الرواة 3460)، ولكنك عندما تبدأ الحرب فأنت مطالب شرعاً وعقلاً بالإعداد الجيد المناسب لها، وإلا تفعل فقد دخلت وأدخلت عباد الله في أتون محرقة لا يعلم نهايتها إلا الله، وستسأل عنها أمام الله والناس والتاريخ.
وعلى الرغم من كل ما سبق…لسائل أن يسأل: أما وقد وقعت الواقعة فما موقفنا تجاه ما يقع على الأرض ونشاهده من قتل اليهود للمسلمين أطفالاً ونساء ورجالاً، وهدم بيوتهم وترويعهم والتنكيل بهم وحصارهم؟
والجواب: لا يسع المسلم في مثل هذه الأحوال إلا أن يكون في جانب المسلمين، فكيف وإن كانوا مظلومين محاصرين؟ فكيف وإن كانوا في أرض فلسطين المباركة المقدسة؟ فكيف وإن كان من يحاربهم هم اليهود أعداء الله والبشرية؟ تالله إن الأمر في حقهم أعظم، ووجوب الوقوف معهم في هذه المحنة بكل أنواع الدعم المادي والمعنوي فرض عين على كل مسلم بقدر ما يستطيع! فلا مكان للحياد في مثل هذه الحالات، ولا مكان للجلوس في المناطق الرمادية في ظل هذه النوازل، فمن فعل ذلك أو ظاهر اليهود على المسلمين متحججاً بأي حجة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه والعياذ بالله.
فعن عبدالله بن عمر أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: “المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولَا يُسْلِمُهُ، ومَن كانَ في حَاجَةِ أخِيهِ كانَ اللَّهُ في حَاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرُبَاتِ يَومِ القِيَامَةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ”. صحيح البخاري 2442. ومعنى (لا يسلمه) أي : لا ينبغي لمسلم أن يسلم مسلماً لأعدائه.
وهذا يندرج فيما على العقلاء أن يفعلوه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما أفسده هؤلاء!
فهل يستطيعون؟
لكم الله يا أهل غزة
من أين ستتلقونها ؟
من قريب جاهل متحزب مَلَكَ أمركم، وغامَر بدمائكم، أم من عدو لئيم جعلكم هدفاً له بصدوركم العارية، أم من قريب وبعيد يتجهمكم ويدير لكم ظهره.
لكم الله ما أشد ابتلاءكم وبلواكم!
وحسبنا الله ونعم الوكيل.