التصنيفات
مقالات

الهدية الكبيرة التي قُدِّمت لـ(إسرائيل)!

عندما أنعمت النظر في أحداث 7/ 10/ 2023 م. وتحليل المقاطع التي بثتها حماس نفسها، خرجت بنتيجة قد أكون مخطئاً فيها، وقد أكون مصيباً، وآمل الأولى؛ لأنها إن كانت هي الحقيقة فهي أم الكوارث ونكبة النكبات!

النتيجة التي توصلت إليها تتلخص في أن تلك الأحداث كانت فخاً محكماً متقناً نصبته دولة الكيان اليهودي لحماس؛ لتحصل على ما كانت لتحصل عليه بلا مسوِّغ واضح قوي أمام جمهورها وأمام حلفائها والعالم. 

ومعلوم أن من قواعد اليهود وأدبياتهم التضحية ببعض أفرادهم ولو كان العدد كبيراً من أجل مصلحة وجودية الدولة والمجتمع اللقيط الذي صنعوه!

وقد تم لهم بالفعل ما أرادوا وبأيدي فلسطينية! فاستدرجوا (حماس)؛ليظهروا بصورة الضحية! وتظاهروا بأنهم استُغفلوا، وأنهم كانوا في حالة سبات! وكأن الكهرباء كانت مقطوعة لديهم في ذلك اليوم! فجعلوهم يجتاحونهم بسيارات (بيك أب) وبعض الدرجات النارية والطائرات الشراعية البسيطة، وهم يراقبون المشهد من بعيد!

حتى بعد علمهم بتحركات حماس تركوهم فترة من الزمن؛ كي يكملوا المهمة التي رصدت لهم، بل عندما تحركت بعض طائرات اليهود قصفت المحتفلين منهم في مغتصبات غلاف غزة! وضحوا بأولادهم ليتم لهم مقصدهم الأكبر…هؤلاء هم اليهود. 

جعلوا (حماس) ومن وقع في خديعة اليهود ينتشون بنصر موهوم؛ ليفعلوا ما لا يمكن فعله إلا بوجود هذا المسوِّغ. حتى سارعت قوى الغرب كلها وغيرها من أذنابهم كحكومة الهند برفع عقيرتهم بأن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها! فتحولت أمامهم من محتل طاغية إلى ضحية مكلومة! من حقها أن تدافع عن نفسها، وتشن حرب إبادة على غزة التي كانت شوكةً في حلوقهم وعصيةً عليهم من حيث كل شيء!فانهال عليها الدعم والداعمون من كل حدب وصوب بالمال والسلاح والغذاء! وانهال الدعم العربي على أهل غزة بالتغريدات والدعاء! وهذا ما يُفرِح اليهود كما قال أحد صحفييهم المشهورين!

ولا يفهمن أحد من كلامي أني أجعل من الكيان الصهيوني قوةً كبرى عصية! كلا…

فهم أجبن من ذلك وأكثر! ولكن الأمر يحتاج إلى إعداد وإمداد وتنظيم وإدارة صحيحة للدخول في حرب تحرير كبرى مع هذا الكيان المجرم. 

ولا يفهمن أيضاً أحدٌ آخر بأني أقلل من منزلة الدعاء! كلا … ولكن الدعاء ينبغي أن يكون على الوجه الشرعي الصحيح كي يكون مقبولاً ومستجاباً. 

ما حدث في 7/ 10. كان هدية لليهود لم يحلم بها كيانهم! وكان بمنزلة فرصة تاريخية ذهبية كبيرة فاستغلوها حق الاستغلال، وكانت فرصتهم للقضاء على الصداع المزمن الذي كان يأتيهم من جهة غزة! فمسحوها وهجّروا أهلها وما زالوا حتى ينهوا كل حركات المقاومة فيها!

في الحقيقة فإن (حماس) قد وقّعت صك إعادة احتلال غزة وتدميرها وتهجير أهلها وقتل أكبر عدد من سكانها والقضاء على المقاومة فيها، سواء أعلمت أم لم تعلم! فالأعمال بخواتيمها، والحروب بنتائجها. والتاريخ لا يرحم الأغبياء والمغفلين.وكل ذلك ليتم لليهود بنكبة 2023 مسلسل القضاء على كل مظاهر المقاومة والحياة الفلسطينية والأمل والمستقبل لهذا الشعب المبتلى. وتكون فلسطين كلها سائغة لهم بلا صداع مقاومة أو حل سياسي أو غيره من المسكنات التي كانوا يستخدمونها لأمد ما. 

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة    وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ

ولو سألت أهل غزة قبل غيرهم ولاسيما الذين عاصروا نكبة 1948م عن كارثة ما وقع في 2023م. ليقولُنّ إنها أعظم وأطغى! وأنها أم النكبات!

وهنا قد يقول قائل: إن (إسرائيل) لا تحتاج إلى مسوغات لجرائمها بحق الفلسطينيين، وأنها ما فتئت بارتكاب المجزرة تلو الأخرى منذ احتلالها فلسطين سنة 1948 مروراً بسنة 1967م. 

والجواب عن هذا: صحيح أنها ارتكبت من المجازر الكثيرة في حق الفلسطينيين منذ 76 سنة، لكنها كانت محدودة بمناطق بعينها إلا التي كانت أثناء حروبها فقد كانت إبادة جماعية. كما يقع اليوم أمام العالم كله في غزة ومدنها! فهذه ليست بمجزرة بل حرب إبادة وتدمير وتهجير وقتل كل ما يمت للحياة بسبب. 

ومثل هذه الإبادات الجماعية تحتاج إلى مسوغات كبيرة لتحقيقها! فلا يمكن أن تقوم بها أي دولة أو احتلال إلا بوجود مسوغ كبير لها، وهو ما تم لهم، وقُدِّم إليهم كأعظم هدية؛ ليقدموا لشعبهم الإنجاز الذي لم يستطع تحقيقه السابقون من جلاوزتهم ومجرميهم. 

فرق كبير بين مجازر فردية تحدث هنا أو هناك في قرية أو ناحية، وبين حرب إبادة شاملة هدفها القضاء كلياً لا جزئياً على فئة معينة في قطاع كبير كغزة. 

ورب قائل يقول: إن وضع غزة قبل ذلك كان سيئاً عنوانه حصار خانق! أقول له: إن وجود السيء لا يسوغ الوقوع في الأسوأ. 

وإن تعجب فعجبٌ قول بعض من تولى تحليل النكبة وتصويرها بأنها انتصار! وكأنه أعمى لايرى حجمها! وكأنهم يُساقون أو ينساقون أو يتساوقون مع المخطط وهم يعلمون أو لا يعلمون، فصار لدينا (صحاف) آخر! وتذكرون الأول أيام احتلال العراق! وكأنه كان ينقصنا مزيد من هذه الأنموذجات! 

إياكم والتلبيس والتدليس والتبرير لمن ارتكب الخطايا في حق هذا الشعب المنكوب المكلوم الصابر المبتلى كائناً من كان.

لن ينفعكم اليوم أو غدا الفرار إن فررتم من الحساب من الشعب والتاريخ، والحساب الأكبر بين يدي الله تعالى الذي وهبنا العقل والدين الحنيف ليصلح عليه أمر دنيانا وأخرانا. 

لا تبرير لسفك دماء المسلمين بلا ثمن. 

لا تبرير لتدمير حياة الناس وهدم بيوتهم وتهجيرهم بلا هدف. 

لا تبرير للمقامرة بشعب مسلم كامل بكل مقوماته ومقدراته لأجل حسابات مجنونة لشخص أو فصيل أو حزب. 

وإنه لمن المفجع أن نجد الذين تولوا كبر هذه العملية التي سموها( طوفان الأقصى) أكبر همهم الآن الوصول إلى وقف إطلاق النار! وإدخال المساعدات! ألهذا طوفتم طوفانكم؟ 

حسبنا الله ونعم الوكيل 

ما أشد استهتاركم! وما أعظم تهوركم. 

لعمر الحق فإن الجاهل قد يفعل في نفسه ما لا يفعل العدو بعدوه!

من أعطاكم حق المغامرة بسفك دماء المسلمين من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال وهدم بيوتهم فوق رؤوسهم؟!

كيف تحتكرون القرار في شن الحرب على هذا الشعب؟! وبأي حق؟ ولمصلحة مَن؟

تالله لقد ألقيتم أنفسكم وجررتم معكم سائر الشعب لمحرقة سُحقنا فيها جميعاً. 

جررتم على الناس حرب إبادة هولاكوية! كيف لا وأنتم تحصلون على الكهرباء والماء والغذاء والدواء والاتصالات بل العمل لعدد كبير منكم والدخول والخروج من غزة وغيرها… تحصلون على كل ذلك من عدوكم؟! فأين الحكمة فيما فعلتم؟!

و(إسرائيل) كما يعلن قادة الإجرام فيها: مستمرون في الإبادة حتى تحقيق هدفهم المنشود في كسر شوكة غزة وقتلها، وإنهاء المقاومة فيها، ومعهم كل الدعم الغربي بقيادة أمريكا.

نجحت (إسرائيل) في جركم هذه المرة إلى حرب استنزاف بحقكم وإبادة لغيركم. استمرارها بالحرب له مقوماته الاستراتيجية ويبدو أنهم أعدوا للأمر عدته! فهم أضعاف أضعافكم في العدد والعتاد ولديهم كل وسائل الإمداد، ولديهم القدرة في تجديد الأجناد. وأنتم ينفد عتادكم وعددكم، وتخور فيه قوى مقاتليكم في كل يوم تطول فيه هذه المحرقة! وهذا هو عنصر المفاجأة الذي تبجحتم به! لقد كان في حقكم أنتم وياللأسف! ووقعتم في الشَرَك الذي نُصب لكم. 

يذكرني ذلك بشَرَك (الكويت) الذي أوقعت الصهيونية فيه (صدام حسين) عندما احتلها، وقاموا بعدها بتحقيق مخططهم بقتل العراق، بمسلسل خبيث بدأ بصورة تحرير الكويت، ثم بالتفتيش عن أسلحة دمار شامل مزعومة ثم حصار العراق وخنقه ثم احتلاله ثم الإطاحة بصدام وحكمه وحزبه ثم تسليمه على طبق من ذهب للحليف الإيراني، وهكذا انتهى العراق وجيشه القوي، وانتهى الصداع والخطر الذي كان يسببه لهم، وبات محرقة يحترق فيها العراقيون بالتفرقة الطائفية وغيرها. 

ومثله بل أشد منه ما حصل في 11/ 9/ 2001م في نيويورك من أحداث متهورة عُرفت بـ(أحداث سبتمبر)، وما جرته على الأمة بعدها من كوارث على كل الصعد، عسكرياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً وإعلامياً! بل ما زلنا ندفع ثمن تلك المقامرة الغبية اللعينة، فعسكرياً تم احتلال بلدين مسلمين: العراق وأفغانستان واستباحتهما ونهبهما وتدميرهما، وقتل مئات الآلاف من المسلمين فيهما، واقتصادياً ارتهن اقتصاد البلاد الإسلامية لأمريكا تحت اسم ( تحالف مكافحة الإرهاب)، وثقافياً تم التدخل في مناهج الدراسة في العالم الإسلامي تحت الاسم نفسه، بالذريعة نفسها، فتم تغيير المناهج الدراسية في المدارس والجامعات وفق أقيسة أمريكا وتحالفها، واجتماعياً تم القضاء على غالب العمل الخيري التكافلي بين المسلمين فروقبت التحويلات المالية وتم إغلاق جل الجمعيات الخيرية، وإعلامياً نجحت الصهيونية العالمية في تصوير المسلمين بأنهم إرهابيون متوحشون، ودينهم دين الإرهاب، وسياسياً تمت الهيمنة السياسية على العالم بأسره تحت فكرة خطر الإرهاب الإسلامي، وهو ما أثر سلباً في مجال نشر الدعوة بعد العمل الممنهج على تشويه صورة الإسلام والمسلمين. 

وكأن قدر أهل السنة في هذا العالم في كل نكبة تقع على رؤوسهم أن تبدأ بفعل غبي متهور لأحدهم بلا حساب للنتائج الكارثية التي يمكن أن تقع بسببه، ودون الموازنة الفقهية بين المصالح والمفاسد . 

التاريخ يعيد نفسه، بالأسلوب القذر الخبيث نفسه، وبالأدوات الغبية التي من جلدتنا نفسها… فياللكارثة! 

فلو كان ما وقع مجرد حرب بين اليهود وحماس لهان المصاب! ولكن المصيبة الكبرى هنا وقعت على رؤوس الناس المستضعفين من المؤمنين، وهم من دفع ثمن مغامراتهم بل مقامراتهم المجنونة غير المحسوبة العواقب والنتائج! 

ولا يقولن قائل: لكل تحرر من الاحتلال ثمن الخ من هذه الأسطوانة التي يتعلق بها كل من يستهويه تعليق فشله وخيبته عليها. 

فكل حركات التحرر في العالم أخذت زمناً ليس بالقصير لكي تتحرر ناهيك عن تحالفاتها وتأمين إمداداتها وعدم إبادة شعوبها. 

وإياك أن تحدثني عن بعض الحركات التي لا أراها قد تحررت من المستعمر بعد خروجه عسكرياً وإخلاف عملائه من الشعوب نفسها لخداعهم بأنهم تحرروا واستقلوا! وأعتقد أن الوقائع تؤكد تبعيتهم للمحتل الأصلي! وأن عليهم الاستمرار في النضال بكل سبله للتحرر الحقيقي من المستعمر المحتل وأذنابه. بدون ذلك فلا تحرر ولا استقلال بل تبعية وإحلال. 

ثم يأتي أحدهم ويعدد علينا إيجابيات ما وقع ليبرر هذه النكبة لحزبه!

فكل الإيجابيات التي يحاولون إقناع أنفسهم وأتباعهم بها لا تساوي الدماء والخسائر التي كانت. 

فنشر الإسلام والدعوة إليه لا تكون بسفك دماء المسلمين بعدد أكبر ممن دخلوا فيه!!

وعودة القضية الفلسطينية إلى الواجهة لا يمكن أن يكون إنجازاً بسفك دماء الفلسطينيين بهذا الشكل المجنون!

ولو العالم كله نسي قضية فلسطين وشعبها المظلوم لما نسي الله!

وسيأتي من يعيد الحق إلى نصابه، هكذا علمنا التاريخ…

وصحوة شعوب العالم ليس بالضرورة أن تتم على حساب نكبة الشعب الفلسطيني! فصحوتهم أو غفلتهم تخصهم وحدهم وعليهم أن يبحثوا عن الحق!

وهاهي مظاهراتهم تملأ الدنيا فهل أدخلت كوب ماء لغزة وأهلها المنكوبين؟! وهل أوقفت المجازر والإبادة؟ وهل أوقفت العدوان والقصف المتواصل والاحتلال، والتنكيل والإذلال؟

الجواب: لا. 

فعن أي إنجازات وإيجابيات تتحدثون هداكم الله؟!

إلى متى سنظل نفكر بهذه الطريقة السطحية العاطفية الساذجة والتي لا تخلو في كثير من الأحيان من الهوى والميل لحزب أو جماعة ؟ 

إلى متى سنظل نفكر ونطلق الأحكام والأعمال بعيداً عن أهل الحل والعقد من الفقهاء والعلماء والحكماء؟!

ثم لي وقفة بتسميتهم هذه النكبة التي جروها علينا بـ( طوفان الأقصى)!

وكأنهم الأوصياء الوحيدون عليه! وهل المسجد الأقصى لكم وحدكم؟!

أليس ببيت الله ومسرى رسوله ﷺ ؟!

فهو يعني كل مسلم على وجه الأرض. وقبل كل شيء فهو بيت الله وهو من يتولاه كما تولاه على مر العصور والدهور حتى قيض له من يحرره. 

ألم يُسرَ برسول الله ﷺ إليه وصلى فيه بالأنبياء والرسل وعُرج به منه إلى السماوات العلا وهو تحت حكم الروم، إلى أن أذن الله تعالى ففُتح على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟

ألم يقع المسجد الأقصى تحت الاحتلال الصليبي أكثر من 80 سنةً، حتى عطلوا فيه الصلاة وجعلوه إسطبلاً لخيولهم، حتى قيض الله له صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه فأعد العدة حق الإعداد، وهيأ لذلك بتنظيف المنطقة كلها من الخونة وعملاء الصليبيين حتى حرره من براثنهم، ونصب فيه منبره الشهير وأقام فيه الصلاة وذكر الله؟!

فلا تجعلوا منه شعاراً تبررون به جرمكم وخطاياكم بحق الدماء المعصومة! لا تتعجلوا…سيأتي يومُ مَن سيدخلونه فاتحين من المسلمين كعمر وصلاح الدين رضي الله عنهم أجمعين بالفهم الصحيح للدين الحنيف، والإعداد الجيد القويم الذي يفتح الله به علينا ولندخل المسجد كما دخلوه أول مرة. 

هكذا يكون التحرير، لا بمغامرات بهلوانية عاطفية وتخيلات جنونية تحصد الأخضر واليابس. 

ألم يئن لبعض الأحزاب التي تصر على استخدام الدين ورموزه شعارات لمراهقاتهم السياسية والعسكرية لتبرير كوارثهم في حق المسلمين أن تنتهي وترعوي؟!

إلى متى سيظل هذا الشعب الفلسطيني مبتلى بين مُفْرِط أحمق، ومفرِّط لعين؟!

إلى متى ستظل هذه الأمة مبتلاة بأشخاص وجماعات وأحزاب تلعب في مصيرهم وتجرهم نحو الكوارث؟!

أليس فينا رجل رشيد…؟!