تدبرت أحوال الناس وطباعهم اليوم فرأيت أن من أخبثها وأسوئها على الإطلاق، الندية في العلائق عند انعدامها!
الندية تكون مسوَّغةً بين الأمثال والأنداد.
أما أن تُتخذ خُلقاً بين أستاذ وتلميذه، وطالب وشيخه! فهذا هو اللؤم المستكن في نفس هذا التلميذ.
عند الحديث عن العلاقة بين الأستاذ والتلميذ تتهاوى حدود العمر! فلا ينظر إلى الأكبر والأصغر!
ولا ينظر إلى الصداقة والزمالة ونحوها فكلها تتراجع أمام علاقة مقدسة يحكمها العلم وأي علم!
هذا في الأمور العادية والعلوم الدنيوية! حتى عند الكفار يكون خطأً كبيراً.
فكيف لو وقع بين شيخ وتلميذه في العلوم الشرعية؟!
إنها لإحدى الكُبَر!
أَوَ يقع ذلك؟! نعم.
لم أكن أتصور وجود الجحود في نفس هذا الإنسان الكَنود إلى هذه الدرجة!
مهما يكن التبسط بين الأستاذ وتلميذه فلا يعني بحال من الأحوال أن يخلع التلميذ رداءه! فيتجرأ على مَن علّمه! فيعامله بنديّة جاعلاً من نفسه مماثلاً لأستاذه! وأيْمُ الله فذلك هو النكران العظيم، والجحود الأليم.
لن أورد النصوص والحكم والأمثال والأقوال التي تُعظّم العلم والعلماء وحقهم وفضلهم على الناس، فهذا المقام معروف معلوم لكل من جعل الله له نوراً يمشي به في الناس! ولكنني أكتفي بنصين، نص من القرآن الكريم وآخر من السنة ليعلم من ابتلي بهذا السلوك المعوج كم حاد وزاغ عن الجادة.
ففي القرآن:( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)؟!
وفي السنة قوله ﷺ:( وإن العلماء ورثة الأنبياء …) الحديث.
فيامن جعلت نفسك نداً لشيخك تذكر أنك انتهكت هذه النصوص العظيمة، وكنت تَبَعاً لطباعك اللئيمة.
ألا تعلم أيها الشقي أن بعض السلف الصالح كان يتصدق في طريقه إلى شيخه ويدعو الله بأن لا يُذهب بركة علم شيخه منه!
أما علمت عاقبة من تذهب منه بركة العلم؟!
أما عرفت خاتمة مَن يُغضب عالماً؟!
ألا تعلم أن الله يغضب لذلك؟!
إذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر في ليلة البدر على سائر الكواكب! كما في الحديث، فكيف بفضله بل بحقه على متعلمه وتلميذه؟!
وإني لأرى أن سلوك هذا المسلك الخبيث لهو حرمان من التوفيق، وذهاب لبركة العلم، ووقوع في مصائد الشيطان.
سواءٌ عليك أعلمت أم لم تعلم فاللؤم جلّاب، والطبع غلّاب!
وصدق القائل:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم طبعُهُ
فكل رداء يرتديه جميلُ
وبعض النفوس مجبولة على الخَبَث لا يجدي معها نصح ولا عِظة! إلا المرة تلو المرة! ومن كانت هذه سيرته، فلا تُؤمَّل صحبتُه، ولا تُؤمن سريرته!
ويظل الأمر كما قال نبي الله محمد ﷺ:( الناس معادن)! فلا تضع علمك في إناء صَدِئ! فلن يُمْسِك شيئاً، وسيفسد يديك!