التصنيفات
خواطر مقالات

ما زلنا في الجاهلية الأولى!

عندما رأيت تداعي ( العشائر العربية) وتقاطرها من كل حدب وصوب حتى من الجزيرة العربية! تلبيةً لنداء بعض عشائر جبل العرب في جنوب سوريا، تساءلت بمرارة، كيف تحركت هذه الجموع؟ وأين كانت منذ سنتين من استغاثات شعب عربي مسلم كامل في غزة؟! هل ما زالت الحمية الجاهلية ممثلةً بالعنصرية القبلية هي التي تحركنا؟! الجواب: نعم، كما هو الواقع!

هذا يعني بالضرورة أن هذه الأمة ما زالت ترتكس في أحضان الجاهلية الأولى بل أشد! وتنتكس في دركاتها وتحكمها فيهم، ولا يحركها نداء العقيدة والدين!

ألم يقل النبي ﷺ في خطبة الوداع:”ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع”؟!(صحيح ابن حبان1457). 

لست ضد الفزعات والنخوات! فهذا شيء جيد إذا كان ظاهرةً عامة تشمل الجميع على أساس الانتماء العقيدي لا القبلي!

ولكنني ضدها بل الدين الذي جاء به النبي محمد ﷺ ضدها كذلك!

القرآن الكريم أوجب النصرة في الدين لا القبيلة!

﴿وَإِنِ استَنصَروكُم فِي الدّينِ فَعَلَيكُمُ النَّصرُ إِلّا عَلى قَومٍ بَينَكُم وَبَينَهُم ميثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعمَلونَ بَصيرٌ﴾ [الأنفال: 72]. ولن أتكلم على تفسير الآية وأن وجوب النصرة والمؤازرة ورد هنا في حق من لم يهاجروا من بلاد الكفر من المسلمين، في حال تعرضهم للظلم والقهر فيها!

فما بالك في الظروف الطبيعية لمسلم في أرضه … وأي أرض! لا في أرض الكفار، يدافع عن نفسه ودينه وماله وعرضه بل عن الأمة كلها!

أين هذه العشائر الزاحفة التي حركتها دعوة الجاهلية من الفزعة للمسلمين المحاصرين المجوَّعين الذين يتعرضون إلى كل أنواع الإبادة والإجرام في معتقلات النازية اليهودية؟!

والله لا خير فيكم ولا في فزعاتكم مالم يحرككم الدين الذي أعزنا الله به، ولا عزة لنا فيما سواه. 

لقد نجح أعداء الإسلام في استئصال جذوة الحمية الدينية، والعقيدة الصحيحة من قلوب المسلمين إلا من رحم ربي، وباتوا في حال أسوأ مما كانوا عليه قبل الإسلام. 

ولتقريب الصورة لمن لديه بعض الضبابية أقول: ما الذي جعل اليهود ومن معهم من أعداء الإسلام يتداعون للدروز في جبل العرب بالقصف والمساعدات وفك الحصار والتلويح بالعقوبات الخ ؟!

الذي حركهم فكر، وليس انتماء قبلياً أو عرقياً! حركهم أنهم مجمعون مجتمعون على العداء والحرب للإسلام والمسلمين. 

أما نحن فما الذي حركنا؟ الفزعة العشائرية، والعنصرية القبلية، وكفى بذلك ضلالاً بعيداً. 

فماذا لو اجتمعت جموع المسلمين وهبت لفك الحصار عن معتقلات الموت اليهودية بالصورة نفسها التي رأيناها في فزعتهم الجاهلية؟!

لعلها تثبت لنا عند الله حجة! وربما سيذكرنا التاريخ بجميل الذكر. 

أما أن لايعدو تعاطفنا مع المسلمين تصفح التواصل الاجتماعي حتى إذا غادرناها عدنا إلى سيرتنا الأولى وتفاصيل حياتنا اليومية! فهذا ليس من دين الإسلام. 

التأثر الشعوري ظاهرة إنسانية تنتظم من كان فيه صفات الإنسان!

ومازلنا نذكر أحاديث صحيحة في وصف بعض أحوال الرسول ﷺ! كقولهم: (كنا نرى ذلك في وجهه) فرحاً أو غضباً. 

نحن اليوم وصلنا إلى حالة من الخذلان الذاتي، والتبلد الشعوري، والتنكر العقيدي إلى درجة أننا صرنا نقنع أنفسنا بأننا قمنا بواجبنا بمجرد تباكينا وتعاطفنا أثناء تصفح مواقع التواصل الاجتماعي. ألا ساء ما يعملون. 

لست مع تعطيل الحياة والأعمال! ولكني مع التأثر والتداعي المستمر مع المسلمين في الحمى والسهر كما شبهنا الحديث الصحيح المعروف، حتى تنكشف كربتهم. 

أما الضحك على أنفسنا بالوهم والإيهام بأننا بمجرد تفريغ شحنات من الدعاء والبكاء والتعاطف أننا قمنا بواجبنا وانتهى الأمر!

فهذا خذلان مع الخذلان، وهوان مع الهوان!

أضعف الإيمان بقاء الحالة الوجدانية الشعورية مستمرة، نذكر بها أنفسنا ومن حولنا بهول الكارثة.

لا أجد خيانة أكبر من الحياة الطبيعية في واقع غير طبيعي. 

﴿وَقِفوهُم إِنَّهُم مَسئولونَ﴾ [الصافات: 24].