عندما يذكر الغش أول ما يقع في الخاطر أنه الغش التجاري أو الاختباري بين التجار، والطلبة في الجامعات والمدارس!
بيد أن مفهوم الغش في اللغة والشريعة أوسع من هذا بكثير.
ذلك لأن الدلالة المعجمية للفعل (غشش) والاسم منه ( الغِش) : نقيض النصح، وهو مأخوذ من (الغشش): المشرب الكَدِر. (لسان العرب لابن منظور).
وغشه يغُشُّه غَشّاً: لم يمحضه النصح، وأظهر له خلاف ما أضمره (القاموس المحيط).
وعندما نسقط هذا المفهوم على حياتنا فسنجد الوضع كارثياً! وأن هذه الحياة قد أضحت مغلفة بالغش حيث دارت، ولا حول ولا قوة إلا بالله! (ينظر: الكبائر للذهبي 72).
“عادَ عُبَيْدُ اللهِ بنُ زِيادٍ مَعْقِلَ بنَ يَسارٍ المُزَنِيَّ في مَرَضِهِ الذي ماتَ فِيهِ، قالَ مَعْقِلٌ: إنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، لو عَلِمْتُ أنَّ لي حَياةً ما حَدَّثْتُكَ، إنِّي سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: ما مِن عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وهو غاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عليه الجَنَّةَ”.(صحيح مسلم 142، وأخرجه الدارمي (2838)، وابن حبان (4495)، وعبد بن حميد (401) واللفظ لهم).
وفي الحديث أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مَرَّ علَى صُبْرَةِ طَعامٍ فأدْخَلَ يَدَهُ فيها، فَنالَتْ أصابِعُهُ بَلَلًا فقالَ: ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟ قالَ أصابَتْهُ السَّماءُ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: أفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعامِ كَيْ يَراهُ النَّاسُ، مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي.(صحيح مسلم: 102).
وبناءً على مفهوم الغش في اللغة والشريعة الإسلامية فإن الغش ينسحب على شرائح المجتمع عامةً!
فالمدرس الذي لا يخلص في تدريسه ويجعل بعض الثغرات كي يزين للطلبة حاجتهم إلى الدروس الخصوصية هو غاش لهم.
والزوج الكاذب المنسلخ من مسؤولياته تجاه من يعول هو غاش لهم.
والزوجة المخادعة التي تهدر مقدرات زوجها ولا تصْدُقُه ولا تشكر له هي غاشة له.
والصاحب الذي يداجي صاحبه ولا يصارحه هو غاش له.
وإمام المسجد الذي لا يحسن صلاته غاش للمصلين خلفه.
والخطيب الذي يزوّر الحقائق ويزيفها ابتغاء عرض رخيص من الدنيا هو غاش لمن يستمعون له.
والمفتي الذي لا يوقع عن رب العالمين بالعلم الشرعي الصحيح من الكتاب والسنة، ويعدل عنها إلى هواه أو هوى من عينه هو غاش لمستفتيه.
والموظف الذي لا يقوم بمهامه الموكولة إليه، ويتفلت منها بحجة تدني الأجور، هو غاش لمن وظفه وللمجتمع الذي أؤتمن على قضاء حوائجه، ولا يُعذر بتذرعه السمج، فإن كان غير راضٍ عن أجره فلينصرف عن وظيفته إلى غيرها، ولا يبقى فيها لا يفتأ يغش عباد الله.
وقل ما شئت أن تقول عن المهندس والطبيب والعامل وكل فرد في المجتمع من ذكر وأنثى!
كلهم يعلم حاله، ويعلم هل ابتلي بالغش أم عافاه الله من هذه الكبيرة التي لا تسقط بحج وعمرة وسِبَح مئوية وألفية ولحىً مهما استطالت، ومظاهر خداعة مهما استفاضت ؟!
﴿بَلِ الإِنسانُ عَلى نَفسِهِ بَصيرَةٌ وَلَو أَلقى مَعاذيرَهُ﴾ [القيامة: 14-15].
“أي: هو شهيد على نفسه عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، وكما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء]”. (تفسير ابن كثير).
حقوق العباد يتعلق بعضها ببعض، ولا تسقط بتوبة وغيرها إلا أن يُسقِط صاحب الحق حقه فيما وقع عليه من غش.
يقول الحق تبارك وتعالى:
﴿وَنَضَعُ المَوازينَ القِسطَ لِيَومِ القِيامَةِ فَلا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئًا وَإِن كانَ مِثقالَ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ أَتَينا بِها وَكَفى بِنا حاسِبينَ﴾ [الأنبياء: 47].
