يهوى بعضهم أن يتباكى على العربية كلما سنحت له فرصة!
ويروق له ذرف الدموع السوافك على مستقبل اللغة العربية مستشرفاً مخاوفه من الوضع المزري الذي يتردى فيه من يتعلقون بها بسبب من أسباب النسب.
وهذا إسقاط صحيح لو لم تكن تلك اللغة هي العربية!
فمن قوانين اللغة أية لغة أنها تستمد قوتها وعنفوانها من قوة أصحابها، وأنها تضعف وتتخلف بتخلفهم وضعفهم.
ولكن في حالة لغتنا العربية الجميلة لا يتنزل ما زعموه عليها!
فهاهي اللغة الرابعة عالمياً، ومازلنا نستعملها كما هي بالنحو ذاته والقواعد نفسها والبلاغة عينها، ومازال الطلبة يدرسون في المدارس والجامعات قواعدها كما كانت قبل ألف وثلاثمئة عام!
فالمبتدأ هو هو والخبر هو هو، وكذا الفاعل والمفعولات والمنصوبات والمجرورات والمعرب والمبني الخ.
ومازالت اللغة العربية الفصيحة لغة الإعلام والخطابة، والثقافة والكتابة، والأدب ودواوين الدول بعد أربعة عشر قرناً! وهذا لم يتوفر لسواها ولم يكن لغيرها من سائر لغات البشر.
ودع عنك ما يصيب اللغة من ظاهرة التطور اللغوي، على مستوى الأساليب والألفاظ والدلالات، فهذا يحسب لها لا عليها؛ لأنه دليل على حيوية اللغة وطواعيتها العابرة لحدود الزمان والمكان.
وهذا متأتٍ من عدة جهات:
منها أن هذه اللغة العربية الشريفة لغة سماوية ليست أرضية، بنص القرآن الكريم! وأنها كانت قبل الخلق! في اللوح المحفوظ، (بَل هُوَ قُرآنٌ مَجيدٌ(21) في لَوحٍ مَحفوظٍ(22). سورة: البروج).
قال ابن كثير في تفسيره:”{ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } أي : هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل” .
وقال ابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل :”{ في لوح محفوظ } يعني : اللوح المحفوظ الذي في السماء”.
وجاء في تفسير الشوكاني:”وأخرج أبو الشيخ قال السيوطي: بسند جيد عن ابن عباس قال : خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مئة عام ، فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق : اكتب علمي في خلقي ، فجرى ما هو كائن إلى يوم القيامة” .
والسعدي قال:”{ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } من التغيير والزيادة والنقص ، ومحفوظ من الشياطين ، وهو : اللوح المحفوظ الذي قد أثبت الله فيه كل شيء .
وهذا يدل على جلالة القرآن وجزالته ، ورفعة قدره عند الله تعالى ، والله أعلم” .
ومن البديهيات أن القرآن عربي، وهو كلام الله تعالى الذي (لا يَأتيهِ الباطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلا مِن خَلفِهِ تَنزيلٌ مِن حَكيمٍ حَميدٍ(42)
سورة: فصلت).
ومن البديهيات أن الله سبحانه تكفل بنفسه بحفظ القرآن. (إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ(9)سورة: الحجر).
فمن حفظ القرآن منذ تنزله منذ أربعة عشر قرناً بكل أسباب الحفظ، على الرغم من كل محاولات الكيد والمكر الذي تعرض لها هذا القرآن العظيم من طمس وتحريف وتخريب، قادر على حفظه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولعل هذا الحفظ طيلة هذه القرون معجزة ينبغي أن تكون سبباً لهداية من أعمل عقله، ونور الله قلبه.
فاربعوا على أنفسكم، وخافوا عليكم، ولا تخافوا على اللغة العربية. فأمرها سماوي كمَنشئها.
وهو أمر رباني لا علاقة لمخلوق به.
فاطمئنوا.
وتالله لو كان الأمر خلاف ذلك وكانت اللغة العربية كغيرها لتغيرت واختلفت منذ زمن بعيد.
لأنها بذلك الوصف سينطبق عليها قانون اللسانيات في انعكاس ما يعيش فيه الناطقون بلغة ما عليها وهناً وضعفاً وتخلفاً أو قوةً وتقدماً.
ولكن الله سلّم…
ولم يترك لنا أمر هذه اللغة الربانية الشريفة!
بل جعل خدمتها والتكلم بها شرفاً لا يناله إلا من كان أهلاً له. وهنا يكون مجالنا الذي يعنينا وحسب.
فلا يتقمصن أحدنا سربال الحامي والمدافع أو الخائف على اللغة ومستقبلها! فهذا مرتقى ليس له.
وليخف كل منا على نفسه أن تذهب سدى وحسرات على عدم الأخذ بحظ من هذه اللغة العظيمة.
ومثل هذا المتباكي من يملأ المنابر صراخاً وعويلاً خوفاً على دين الإسلام أن يضيع.
وكأنه دين أرضي بشري يسري عليه ما يسري على المبادئ الأرضية!
ويتناسى هذا (المتحارص) أن هذا الدين هو الدين عند الله: (إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلامُ(19)سورة: آل عمران). وأنه سماوي كاللغة التي نزل بها. وأن الله تعالى هو المتكفل بحفظ دينه، كما تكفل بحفظ كتاب دينه، وحفظ نبيه المبلغ دينه، خليل الحق وخير الخلق محمد ﷺ!
ومنطق الأشياء يقضي بأن اللغة وعاء ذلك كله، وحفظه لا يكون إلا بحفظ اللغة التي نزل بها.
وأقول لهذا ومثله ما قلته للخائف على اللغة أن تضيع: خف على نفسك وأصلحها واستقم كما أمرت ولا تطغى :(فَاستَقِم كَما أُمِرتَ وَمَن تابَ مَعَكَ وَلا تَطغَوا إِنَّهُ بِما تَعمَلونَ بَصيرٌ(112)سورة: هود).
الدين دين الله، والقرآن كلام الله وكتابه، والنبي ﷺ رسوله، وكله بلسان عربي مبين. فاطمئن، ولا تقلق إلا على نفسك أن لا يكون لك نصيب من هذا الدين ولسانه. وإعجازه وبيانه.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
