التصنيفات
مختارات مقالات

ترجمة السجاوندي 

هذه ترجمة أبي عبد الله السجاوندي كما كتبتُها لموسوعة العلماء الأعلام، فقلتُ: 

السَّجَاوَنْدِي، الغَزْنَوي، أبو عبدالله، محمد بن طَيْفور

 (ت. 560هـ/ 1164م)

محمد بن طيفور السجاوندي، الغزنوي، أبو عبدالله، مقرئ، مفـسِّر، نحوي، لغوي، نعته القفطي في إنباه الرواة 3/153 “المفسِّر، النحوي، اللغوي”، وأورد له شعراً كشعر النحاة – كما وصفه – [من الوافر]: 

أزالَ اللهُ عنكم كـلَّ آفهْ                وسَدَّ عليكُمُ سُبُلَ المخافَــهْ

ولا زالتْ نـوائبُكُمْ لديكُمْ                كنونِ الجمع في حالِ الإضافهْ

 ووصفه الذهبي في تاريخ الاسلام ص368 ” المقرئ، المفسِّر، النحوي”، وقال عنه ابن الجزري في غاية النهاية في طبقات القراء 2/157: ” إمام كبير محقِّق، مقرئ، نحوي، مفسِّر… وكان من كبار المحققين” . 

لا تُعرف سنة ولادته، أما وفاته فجُل المصادر لم تشر إلى السنة التي توفي فيها السجاوندي، إلا أنَّ الصفدي في الوافي بالوفيات3/178 نصَّ على أنِّ وفاته كانت سنة ستين وخمسمئة، ونسبته إلى (غَزْنة)، وهي مدينة في طرف خراسان، وهي الحد بين خراسان والهند، وما زالت آهلة بأهل الدين، ولزوم طريق أهل الشريعة والسلف الصالح، كما جاء في معجم البلدان لياقوت الحموي 4/201 .

أما نسبته إلى (سَجاوَنْد) فلم تُذكر سجاوند في كتب البلدان ولا كتب اللغة التي وقفنا عليها، ويغلب على الظن أنها قرية من قرى (غزنة) ربما اندثرت وذهب ذكرها وتفرق أهلها، والله أعلم ( مقدمة تحقيق كتاب الوقف والابتداء للسجاوندي ص22، الأعلام للزركلي 7/27 ). وأما شيوخه وتلاميذه فلم تفدنا المصادر التي ترجمت له بشيء من هذا القبيل، إلا أن بعض المصادر ذكرت أنَّ له ابنًا كان مهتمًا مشاركًا في علوم الفقه والحساب والتفسير وهو محمد بن محمد بن طيفور، سراج الدين، أبو طاهر السجاوندي ( إنباه الرواة للقفطي 3/153، هدية العارفين للبغدادي 1/106).

وقد كان السجاوندي يميل إلى نحو الكوفة وأصحابها ويستخدم مصطلحاتها، وهذا جلي لمن نظر في كتابه الوقف والابتداء فقد ذكر فيه مصطلحات كوفية مميزة، واكتفى في كثير من المواضع بذكر آراء النحويين الكوفيين دون غيرهم، كل ذلك يدل على تأثره بالنحو الكوفي .

ومما يميز السجاوندي ندرة التفاته إلى الشاهد النحوي الشعري، كذلك الحديث النبوي، فجل شواهده التي يعتد بها هي من القرآن الكريم وحده! وهذه سمة تميز منهجه في مجال الاستشهاد ولا سيما في مواطن الخلاف .

وقد كان لبروز النزعة النحوية لدى السجاوندي أثر واضح في ثراء كتبه نحوياً، فلا نكاد نرى صفحةً إلا نجد فيها تعليلاً نحويًا أو إعرابًا أو احتمالات إعرابية وإيماءات لبعض المسائل الخلافية النحوية.

وتأثر بالسجاوندي وآرائه وأقواله ومصطلحاته في علم الوقف والابتداء تحديدًا جُلُّ مَنْ ألف بعده في هذا العلم فقد نقل عنه السمرقندي وابن الجزري في النشر والسيوطي في الإتقان والقسطلاني في لطائف الاشارات والأشموني في منار الهدى .

وكذلك اعتمدت علامات الوقف والابتداء التي ابتكرها السجاوندي في كثير من المصاحف المخطوطة والمطبوعة . 

ومما يذكر للسجاوندي أيضًا أنه كان دقيقًا في إيراد النصوص التي ينقلها – على قلة نقله لهذه النصوص -، فقد كان يميل الى الاختصار .

ويظل تقسيم السجاوندي لمراتب الوقوف وأسمائها وعلاماتها التي اصطلح عليها، وطريقة معالجته لها، وذكره لتعاريفها وحدودها ووضع رموزها, من أهم ما يميز ما ارتبط بهذا العالِم، ولا سيما تأثر من جاء بعده بها، واعتماد رموزه وعلاماته في كثيرٍ من المصاحف المطبوعة حتى زماننا هذا .

والإنصاف يدعونا إلى القول إنَّ للسجاوندي شخصيةً بارزةً جدًا في كتبه، فنراه يناقش الأدلة والأقوال التي يوردها في مواضع الخلاف، ويرجح بينها بعبارةٍ جزلة مختصرة، وهذا يعطي سمة بارزة توضح لنا ملامح منهجه العلمي، وأسلوبه البحثي . 

 وقد عُني السجاوندي كثيراً بالقراءات القرآنية فقد كان مكثراً من الاستشهاد بها والتطرق إليها والتنبيه عليها ولا سيما القراءات المتواترة . 

ومما أضافه السجاوندي في بحثه العلمي، عنايته بأداء النغم القرآني والسكتات موافقةً للمعنى، وكأن السجاوندي عندما يشير الى هذه الملحوظات النغمية يؤكد أنها جزء من علم الوقف والابتداء الذي تميز به الرجل ووضع بصماته فيه، فنرى السجاوندي يذكر أن النغمة الصوتية تنبثق عن المعنى، ولا بد للقارئ مراعاة ذلك وفق ما يقتضيه المقام .

       ومما التزم به السجاوندي في كتبه سلوكه منهج أهل السنة في علم الوقف والابتداء، وتقرير الوقوف التي تؤكد ذلك؛ كي لا ينصرف الذهن الى اتجاهات عقيدية تخالف عقيدة أهل السنة .

       أما في التفسير فقد اهتم السجاوندي به اهتماماً خاصاً، حتى أن بعض كتب التراجم تدرجه في كتب المفسرين كما فعل الداوودي في طبقات المفسرين 2/160، وكذلك الأدنه وي في طبقات المفسرين له كذلك ص274، وهذا ليس عجيباً فقد ألف السجاوندي كتاباً بالتفسير سماه (عين المعاني)، بيد أن السجاوندي كان يورد بعض آراء المفسرين منسوبةً، ويورد بعضها الآخر دون أن ينسبها، وقد يرجح أحدها، ولم يكن يسند أقوال من ينقل عنهم التفسير سوى أن يذكر اسم من ينقل عنه أو نسبته، وهذا عائد – في رأيي – إلى أنه كان ينقل عن كتبهم مباشرة أو عن كتب ذكرت أقوالهم، على أنه ربما تفرد في بعض الآراء التفسيرية أحياناً. ( تنظر: مقدمة تحقيق كتاب الوقف والابتداء للسجاوندي ص43-64).  

آثاره :

1. كتاب الوقف والابتداء: ويُعد هذا الكتاب من أهم الكتب للسجاوندي، وفي علم الوقف والابتداء على حد سواء؛ وذلك لدلالته على تبحر السجاوندي في هذا العلم الذي هو مزيج فريد تتحد فيه علوم اللغة والشريعة لتكوِّن هذا العلم؛ ولأنَّ وقوفَ السجاوندي وعلاماتِه التي قرَّرَها في هذا الكتاب اعتُمدت أصلاً لطباعة كثير من المصاحف في العالم الاسلامي حتى يومنا هذا، إضافة إلا أنَّ جُلَّ الذين ألّفوا في الوقف والابتداء من مشاهير هذا العلم نقلوا عنه، كابن الجزري في النشر في القراءات العشر 1/235، والسيوطي في الإتقان 1/111-112، وجعله القسطلاني أحد مصادره في الوقف والابتداء في لطائف الإشارات لفنون القراءات 1/264، والأشموني في كتابه منار الهدى في بيان الوقف والابتدا ينظر – مثلاً -: ص6،33،51،57،58.( مقدمة تحقيق كتاب الوقف والابتداء للسجاوندي ص42-45). 

وصفه الذهبي بقوله: “وكتاب الوقف والابتداء في مجلد كبير يدل على تبحره” تاريخ الاسلام (حوادث ووفيات 551-560) ص368، وقد حُقِّق هذا الكتاب لأهميته ومكانته وطُبع مرتين، الأولى: بتحقيق محمد العيدي في الرياض عام 1994م بعنوان (علل الوقوف)! في ثلاثة أجزاء، ولكنها طبعة فيها كثير من الأخطاء والتصحيفات والتحريفات!، وأما الطبعة الأخرى فقد كانت بدراسة وتحقيق الدكتور محسن هاشم درويش – كاتب هذه السطور- بعنوان (كتاب الوقف والابتداء) في مجلد كبير عام 1422ه/2001م في عَمّان، وتُعدُّ هذه الطبعة الأكثر تحقيقًا ودقةً ولاسيما أنها حُقِّقت عن خمس نسخ خطية في بغداد وفلسطين ودمشق، وقد كانت النسخة الأم منها قريبةً إلى زمان المؤلف، فتاريخ نسخها يعود إلى عام 684هـ، إضافةً إلى كمالها وعدم سقوط شيء منها إلا في مواضع يسيرة (تُنظر مقدمة تحقيق كتاب الوقف والابتداء للسجاوندي ص77). 

2. الوقف والابتداء (الصغير): ذكره ابن الجزري في غاية النهاية في طبقات القراء 2/157 فقال: “وكتاب الوقف والابتداء الكبير وآخر صغير” وهو مخطوط.

3. عين المعاني في تفسير السبع المثاني: وهو كتاب في تفسير القرآن، اختصره ولدُه محمد بن محمد بن طيفور، سراج الدين، أبو طاهر السجاوندي في كتاب سماه (إنسان العين) على ماذكر في إنباه الرواة للقفطي 3/153، ولكتاب (عين المعاني أربع عشرة مخطوطة كما في الفهرس الشامل للتراث العربي الاسلامي المخطوط ص204.

4. كتاب علل القراءات: ذكره القفطي في إنباه الرواة 3/153، والصفدي في الوافي بالوفيات 3/178.

5. غرائب القرآن: وهذا الكتاب والذي بعده ذُكرا للسجاوندي في الفهرس الشامل للتراث العربي الاسلامي المخطوط (مخطوطات التفسير وعلومه) ص204.

6. معرفة أحزاب القرآن وأنصافه وأرباعه وأجزائه.   

المصادر والمراجع: 

1- الأعلام: خير الدين الزركلي، ط6، دار العلم للملايين- بيروت 1974م، 7/27 .

2- إنباه الرواة على أنباه النحاة : القفطي، جمال الدين، أبو الحسن، علي بن يوسف(ت646ه)،  تحقيق أبو الفضل ابراهيم، ط1، دار الفكر العربي- القاهرة 1406ه/1986م، 3/153 .

3- تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والأعلام: الذهبي، شمس الدين، أبو عبدالله محمد بن أحمد، تحقيق د.عمر عبدالسلام التدمري، ط1، دار الكتاب العربي- بيروت 1995م، ص368.

4- طبقات المفسرين: الأدنه وي، أحمد بن محمد(ق11ه)،تحقيق سليمان بن صالح الحزي، ط1، مكتبة العلوم والحكم- المدينة المنورة 1417ه/1997م، ص 274.

5- طبقات المفسرين: الداوودي، محمد بن علي (ت945ه)، ط دار الكتب العلمية – بيروت، بلا تاريخ، 2/160 .

6- غاية النهاية في طبقات القراء: ابن الجزري، عني بنشره ج. براجستراسر، ط3، دار الكتب العلمية- بيروت 1985م، 2/157.

7- الفهرس الشامل للتراث العربي الاسلامي المخطوط (مخطوطات التفسير وعلومه): إعداد المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية/ مؤسسة آل البيت- عَمّان، منشورات المجمع رقم(120)، 1989م، ص204.

8- معجم البلدان: ياقوت الحموي، ط دار صادر- بيروت، 1984م، 4/201.

9- مقدمة تحقيق كتاب الوقف والابتداء للسجاوندي: د.محسن هاشم درويش، ط1، دار المناهج- عَمّان 1422ه- 2001م، ص22.

10- هدية العارفين (أسماء المؤلفين وآثار المصنفين من كشف الظنون): إسماعيل باشا البغدادي، ط دار الفكر – بيروت 1982م، 1/106 .

11- الوافي بالوفيات: الصفدي، صلاح الدين، خليل بن أيبك، باعتناء س. ديدرينغ، ط فرانزشتايز بفيسادن- برلين 1974م، 3/178.

           

بقلم      

د. محسن هاشم درويش

   أستاذ الدراسات العليا واللسانيات المشارك

جامعة حائل- الملكة العربية السعودية